فهرس الكتاب

الصفحة 10554 من 23694

تنفرد العربية بخصوصية متميزة في تكوين ألفاظها واشتقاق بعضها من بعض، ذلك أنها قد ابتنت جذورها الصوتية لألفاظها بمحاكاة أصوات الطبيعة ثم اعتمدت هذه الجذور فأثبتتها في بناها مقاطع وكلمات جانست ما تدل عليه من معان. وحين تكامل بناء اللغة باشتقاق الكلم بعضها من بعض، انبثق عن كل أصل مفردات انطوت على جذور هذا الأصل وحملت معناه، ولو غايرت صيغها صيغته.

وسواء أخذنا بمذهب المحاكاة لأصوات الطبيعة في التعبير ونشوء اللغة، اعتمادًا على ما لدى الإنسان من قدرة فطرية على صوغ مقاطع لغته، في مشاكلة المسموع وإبداع من الذات، وهو المذهب العلمي السائد الراجح في نشوء اللغة، أو أخذنا بمذهب الاصطلاح والمواضعة الذي ذهب إليه فريق من أئمة العربية، فقد تميزت العربية بإثبات كلماتها لهذه الجذور المشار إليها، وتوالد ألفاظها بعضها من بعض، توالدًا يوفر للفرع ملامح الأصل ويخلف به سمة تخلد فيه ولا تنفك عنه، على تعاقب مراحل تكامله وارتقائه. فإذا تغيرت معالم الكلم الفرنسية مثلًا بتقادم العهود وخفيت معالمها بانسلاخ القرون فجهل أبناؤها أدب أسلافهم، ما لم يكونوا قد توفروا على تراثهم واستنبطوا أصوله لاتينية ويونانية، فإن ألفاظ العربية تخلد فيها معالمها باقية مستمرة توحي بأرومة أصلها وتنبئ بطرق اشتقاقها، مهما تقلبت صورها وتدرجت دلالاتها باختلاف مراحل ارتقائها وشروط تكاملها. وهذا ما يسهل على أبناء العربية تبيّن أدب الأجداد، على بُعد الشقة وانطواء المراحل، على حين تخفى في ألفاظ اللغات اللاتينية عامة ملامحها لتعدد أصولها المشتركة، واختلاف هذه الأصول في تصاريفها بافتقاد كثير من أحرف الجذور وزوالها، بل تتلوّن أصواتها وتغيب اللحمة بين مفردات ما انبثق عن أصل واحد، وتبدو صور هذه المفردات المتفرعة شائهة باهتة لا تنمّ على أرومة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت