فهرس الكتاب
يمكن للمرء أن يبدي جملة من الملاحظات حول طبيعة طرح قضايا المرأة في عصر النهضة وآفاق هذا الطرح من خلال النقاط الآتية:
آ-عدت قضية المرأة جزءًا من مشروع النهضة الكبير، ولم تفرز قضية خاصة قائمة بذاتها، مفصولة عن سياقها التاريخي والاجتماعي. ولئن دل هذا على شيء فإنما يدل على مدى الوعي النهضوي من جهة وأهمية قضية المرأة ودورها في هذا الوعي من جهة أخرى. ومن المؤسف أن هذا الوعي سرعان ما انقطع وأصبحت تعرض القضية فيما بعد خارج سياقها.
ب-إلى جانب هذا الطرح العام ارتبطت القضية بالمحور الثقافي الفكري للعصر، أكثر من ارتباطها بسائر المحاور، ويمكن أن نتعرف ذلك إذا وقفنا عند التيارات الثقافية السائدة عصرئذ ومن كان يدافع عن القضية ويطرحها، كان ثمة ثلاثة تيارات إسلامية لكل منها مرجعيتها المعرفية ووجهة نظرها، تيار الثقافة السلفية المحافظة، وتيار الثقافة الإصلاحية، وتيار الثقافة العلمانية، وهذا الأخير كان له شقان شق تغريبي وشق تراثي، وقد طرح موضوع المرأة بقوة من قبل التيارين الإصلاحي والعلماني، وعد كلاهما حركة تنويرية، وتبدو أهمية هذا الطرح، أي ربط قضية المرأة بالإطار الثقافي أو الفكري مهمًا، فحيثما يسود الفكر يسود الإنسان ذكرًا كان أو أنثى، وحيثما يسود الشيء اقتصادًا كان أم سلاحًا تتدنى رتبة الإنسان.
جـ- من الناحية التراتبية فإن الطبقة التي طرحت قضية المرأة كانت هي الطبقة البورجوازية الجديدة الناشطة، وكانت هذه الطبقة قد بدأت تدلف إلى المجتمع وتسوده وتسعى لتفرض عليه مفهوماتها في الاقتصاد والتنمية والحياة، لذلك نظرت إلى المرأة كجزء من مفهوماتها ومن أطروحاتها، أي نظرت إليها على أنها آلة أو ترس في دولاب العمل وخدمة اقتصاد السوق، ولم تنظر إليها من حيث هي غاية، وبعبارة أخرى أقول كانت المرأة موجودة في الخطاب النهضوي من حيث هي أداة نفع وغائبة من حيث هي ذات.