فهرس الكتاب
ويرى حاجي خليفة (ت 1067هـ- 1656م) ، صاحب كشف الظنون"أن العلماء والفقهاء كانوا بين آسف ومستنكر رافض، لأن العالم الفقيه يرى طلب العلم لذاته وليس للاحتراف والتكسب والعيش منه، ولذلك فإن من يتخذ العلم حرفة يخرج من صفوف العلماء لأنه لا يتحلى بأخلاقهم. فلقد كوشف علماء ما وراء النهر بهذا الأمر ونطقوا به لما بلغهم بناء المدارس ببغداد أقاموا مأتم العلم وقالوا كان يشتغل به أرباب الهمم العلية والأنفس الزكية الذين يقصدون العلم لشرفه والكمال به فيأتون علماء ينتفع بهم وبعلمهم وإذا صار عليه أجرة تدانى إليه الأخساء وأرباب الكسل فيكون سببًا لارتفاعه ومن ههنا هجرت علوم الحكمة وإن كانت شريفة لذاتها" (10) .
ولم يكن قيام المدرسة وليد نفسها"أو نتاج تأمل مجرد يحدث في فراغ من جانب الكبار، كما أن برنامجها التربوي لم يتم تلقائيًا من ميول الأطفال ونشاطهم وإنما المدرسة منظمة اجتماعية أنشئت وتطورت في كل مجتمع نتيجة ما بذله أفراده من جهود لتوجيه حياة الناشئين ومساعدتهم على مواجهة ظروف الحياة في المجتمع وذلك في ضوء ما اختاره هؤلاء الأفراد من قيم وأنظمة ومعارف، ومن ثم تتأثر المدرسة والتربية بصفة عامة، بأحكام هؤلاء الكبار وطرق اختيارهم، وهذه الطرق وتلك الأحكام تتأثر بدورها بظروف الزمان والمكان من تاريخ ونظام الحكم ومعرفة وعلم وتقاليد وأدوات وهذا كله وليد عمليات وتنظيمات وعلاقات ومظاهر تعبر عن خبرات أفراد هذا المجتمع على مدى أجيال طويلة" (11) .
ومن هذه المقولة ننطلق للتعرف إلى الأسباب والدوافع التي أدت إلى ظهور المدرسة عند المسلمين، حيث تضافرت الأسباب السياسية والدينية والثقافية والتربوية والشخصية في نشوء وظهور المدرسة.