فهرس الكتاب
ولقد أدرك الجميع أن القوة والعنف لا تجدي نفعًا فاستخدموا التربية بديلًا"للقوة المسلحة والسجن والقتل والتعذيب وغير ذلك من وسائل كان البعض -خلافًا لجوهر الإسلام وروحه- قد بدأ يستخدمها لقهر أفكار الخصوم ومبادئهم لا تجدي وإنما لابد أن تحارب الفكرة بالفكرة والرأي بالرأي، وفي هذا مكسب كبير وعودة حميدة إلى أصول الإسلام" (15) .
ولذلك فلا ينكر خدمة التربية للسياسة بما فيها المدارس، ولم يمض ذلك بدون مؤازرة العلماء ومعاونتهم للسلطة، فالكل كانوا يعملون لنصرة المذهب الذي كانوا يدينون به. ولذلك عهد بمناصب التدريس في المدارس إلى علماء أفذاذ أصحاب مقدرة علمية عالية ومكانة فكرية واجتماعية رفيعة، وهم أناس واعون لمسؤولياتهم ومحافظون على مراكزهم الروحية والقيادية بين الناس، حتى يستطيعوا التأثير على العامة، وحتى يتمكنوا من تخريج رجال سلاحهم العلم والإيمان للوقوف في وجه الأخطار المختلفة التي تهدد الدولة. وهنا لابد من الإشارة إلى أن بعض العلماء لم يرضوا أن يسيروا في ركاب السلاطين ويصبحوا من عداد علماء السلاطين، فخالفوهم عندما اصطدمت قراراتهم بأحكام الشريعة وعزل منهم الكثيرون وتركوا مدارس السلطة، تمسكًا برأيهم وعقيدتهم.
ولا يمكن أن ننسى الدوافع الثقافية التي كانت عند الخليفة أو السلطان أو الأمير أو الوزير أو الوالي، أو العالم، فقد يجمع الكثير منهم ثقافة عالية مع رغبة شديدة في نشر العلم، وأكبر الأمثلة الخلفاء المسلمون الذين ضربوا أروع الأمثلة في احتضان العلم وحملة لوائه. وكذلك رجال السلطة من سلاطين وأمراء ووزراء أمثال نور الدين زنكي، وصلاح الدين الأيوبي، ونظام الملك، الذين نرى من خلال تراجم حياتهم مدى معرفتهم العلمية الواسعة ورغبتهم الشديدة في نشر العلم بين الناس عن طريق المساجد والمدارس وغيرها من وسائط التعليم.