ولا ريب أننا من خلال دراستنا تراجم الكثير من العلماء في هذا العصر نرى أنهم خرجوا في الأساس من بيوت فقيرة، فكان هذا مؤشرًا إلى أن فرصة الطالب الفقير لتلقي العلم كانت أدق وأوضح وأشمل، وقد خرج بين الأسر الفقيرة طلبة نابهون نابغون في العلم والمعرفة، استفادوا مما أمنته لهم المدارس من حق العلم للجميع، ومجانية التعليم، والمرتبات المنظمة، والسكن اللائق من خلال الأقسام الداخلية في المدارس، كل ذلك أتاح لطالب العلم فرصة تلقي العلم في أجواء مريحة نقية للتعلم من نفسية واجتماعية واقتصادية، وهو ما تدعو إليه التربية الحديثة.
ولقد بلغ عدد الذين كانوا"يغذون بالعلم في نظامية بغداد (6000) تلميذ فيهم ابن أعظم العظماء في المملكة وابن أفقر الصناع فيها، وكلهم يتعلمون بالمجان وللطالب الفقير فوق ذلك معلوم يتقاضاه مع الريع المخصص لذلك" (38) .
ولذا فإن المدرسة النظامية ببغداد غدت ملتقى لطلاب العلم فقيرهم وغنيهم، وأصبحت منارة لخدمة العلم والعلماء، واشتهرت بمكانتها العلمية وبما تقدمه من خدمات لروادها والعاملين فيها"فقد خصص منشئها وظائف وجرايات لكل من أقام فيها من طلبة العلم، وقام بمؤونة أطعمتهم وملابسهم وفرشهم وسرجهم وغير ذلك من ضروريات المعاش" (39) .
ولقد أولى المربون المسلمون"المكافآت والجوائز الأدبية والمادية اهتمامهم حيث كانت منتشرة جدًا وتقدم للتلميذ المتفوق، وكثيرًا ما كان مؤسسو المدارس يجعلون لها حصيلة خاصة في أوقافهم على المدارس" (40) .
ويذكر المقريزي أن الخليفة الفاطمي الظاهر (427هـ- 1035م) "أمر الدعاة أن يحفظوا الناس كتاب دعائم الإسلام ومختصر الوزير، وجعل لمن حفظ ذلك مالًا" (41) .
وكان الملك المعظم"قد جعل لمن يحفظ المفصل للزمخشري مائة دينار، ولمن يحفظ الجامع الكبير مائتي دينار، ولمن يحفظ الإيضاح ثلاثين دينارًا سوى الخلع" (42) .