وعندما توفي أبو إسحاق الشيرازي سنة 476هـ/ 1082م جلس أصحابه للعزاء بالمدرسة النظامية (53) ، وكذلك كانت المدارس مجالًا للترقي الاجتماعي وزيادة الدخل المادي والأدبي للمعلمين العلماء، يقول الوخشي الحافظ أبو علي الحسن البلخي (ت471هـ/1078م) "سمعت ورحلت وقاسيت المشاق والذل (في رحلات طلب العلم) ورجعت إلى وخش (54) ، وما عرف أحد قدري ولا فهم ما حصلت، فقلت: أموت ولا ينتشر ذكري ولا يترحم أحد علي، فسهل الله ووفق نظام الملك حتى بنى هذه المدرسة وأجلسني فيها حتى أحدث" (55) .
وصفوة القول، هذه صورة للمدرسة الإسلامية التي تغلغلت فيها الروح الإسلامية، والتي استقبلت الغني والفقير من أبناء المسلمين، فأمنت لهم الأجواء النقية والبيئة الإسلامية التي كان يسودها الود والوئام بين العالم والمتعلم، حيث كان المتعلم حريصًا على تلقي العلم، والعالم حريص بدوره على تزويد طلبته بالعلم النافع وغرس مبادئ الفضيلة، والأخلاق الإسلامية الرفيعة في نفوسهم.
وساعدت هذه المدارس على تحقيق الوحدة الإسلامية، وتوثيق الروابط بين مختلف أقطار العالم الإسلامي، فنشرت الثقافة والعلم، وأمدت أجهزة الدولة بالعناصر المتعلمة المثقفة، إنها قد خرجت علماء من الأندلس والمغرب، ومصر والشام والعراق وفارس، ليرجع هؤلاء إلى بلادهم عناصر مؤهلة، علماء وأساتذة كبار يتولون التدريس في المساجد والمدارس، أو الوظائف في القضاء والإفتاء وغيرها، أضف إلى ذلك أن هؤلاء العلماء كانوا جيلًا من الدعاة العلماء المعلمين، الذين دافعوا عن الفكر الإسلامي، وصدوا القوى الباغية الضالة التي استهدفته واستهدفت الدين الإسلامي، وأثرى هؤلاء المعلمون العلماء المكتبة الإسلامية بعدد كبير من المؤلفات في علوم الشريعة واللغة والأدب والتاريخ والمنطق والجدل، وعاشت هذه المدارس لفترة طويلة منارة علم ومجمعًا لرواد الفكر.