ثم لابد من الإشارة إلى تلك الروح التي سادتها وسيطرت على فكرة إنشائها من حيث الاعتماد على العقل والتربية بديلًا من استخدام القوة والعنف في رد الخصوم وهجماتهم العارمة التي هددت المجتمع الإسلامي آنذاك.
وجدير بالذكر أن المدرسة النظامية في بغداد لم تكن أول مدرسة أنشئت في ديار الإسلام، فقد أنشئت قبلها في المشرق الإسلامي مدارس أخرى.
ثم لابد من التنويه بتلك الظاهرة الملفتة للنظر في المدرسة الإسلامية وهي عدم عزلتها وانفتاحها على مجتمعها ومشاركته في الكثير من أحداثه، وهو ما تدعو إليه التربية الحديثة اليوم.
*منازل العلماء:
لقد ساهمت منازل العلماء بنصيب كبير في الحركة التعليمية عند المسلمين، فعلى الرغم من توافر الأوعية الثقافية المتخصصة في التعليم والتثقيف، وامتياز التعليم فيها بالسهولة والمرونة، وعدم تقديمها بمكان معين سواء كانت مساجد أو مدارس أو كتاتيب أو دور علم أو مكتبات إلى غير ذلك، فقد عقدت الحلقات العلمية في بيوت العلماء وقصور الخلفاء يحضرها الطلاب والراغبون في العلم يصنفون ويكتبون عن الأساتذة والأطباء والفلاسفة والأدباء، ويستمتعون بالمناظرات والمناقشات الدينية والعلمية والطبية والأدبية، بحيث أتاحت للعديد من المفكرين أن يبثوا من خلالها أفكارهم وينقلوا عن طريقها آخر ما أنتجه الفكر الإسلامي، ويبرز فيها كل ما أبدعته الحضارات الأخرى، ويبدو أن المفكرين آنذاك لم يقنعوا بذلك،"ولم يقنعوا بأنهم أيضًا بشر لهم حاجاتهم الخاصة ولهم شؤونهم ومطالبهم التي يجب أن يلتفتوا إليها خارج قاعات العلم، وأن وقتهم كله فيما عدا ساعات النوم قد جعلوه للتعلم والتعليم ومن هنا فقد وجدناهم يتخذون من بيوتهم أيضًا أماكن يتجمع فيها حولهم مريدو العلم وطلاب المعرفة لينهلوا المزيد، فالعقل الإنساني نهم لا يشبع وخاصة من المعرفة، بل إنه يشعر بالجوع كلما زودناه بالزاد، وعلى قدر ما نزوده على قدر ما يشعر بهذا الجوع" (56) .