ولما كان البيت مكانًا خاصًا يحس رواده بالوحشة والانقباض تطلب ذلك من صاحبه أن يتسم بالخلق الحسن من مقابلة لرواده بالبشاشة والترحيب والتسرية عنهم وإشعارهم أنهم يعيشون أسرة واحدة. وبمعنى آخر إيجاد البيئة العلمية المناسبة، حتى لا يضطر الطلبة والمشاركون في المباحث العلمية إلى الانقطاع عن الحضور، وكذلك فإن للبيت حرمته وجلاله مما يتطلب من رواده أيضًا الخلق الكريم والوقار والهدوء.
وكان للتعليم في المنازل بعض الفوائد حيث أتاح الفرصة أمام الطلبة لدراسة علوم قد لا تدرس في المدارس كالرياضيات والفلسفة والمنطق وغيرها، وكذلك استفاد منه بعض المدرسين وبخاصة إذا قاموا بتدريس بعض أبناء رجال السلطة مما يوصل المعلم بواسطتهم إلى بعض الوظائف التي يرغبون فيها.
وتميز هذا النوع من التعليم"بحرية أكثر عن الدراسة في المدارس نظرًا لأن الطالب أو وليه يختار له العلوم التي تناسبه كذلك كان يختار المدرس أو المؤدب ذا الشهرة العلمية والخلقية كما أنها غير مقيدة بالإقامة في المدارس والتردد عليها في الأوقات المعينة للدراسة" (57) .
ولم تكن الديانة عائقًا بالنسبة لمزاولة المعلم هذه المهنة الحرة فكان بعض الناس يحضرون معلمين نصارى لتعليم أبنائهم العلوم غير الدينية.
وقد زودت هذه المنازل باللحف المعدة لأهل العلم الذين يبيتون فيها كما كان الأمر في منزل محمد بن عمران المعروف بالمرزباني (58) (ت384هـ/994م) .
ويبدو أن الوزراء والحكام كانوا يعطفون ماديًا وأدبيًا على أصحاب هذه المنازل فهذا الوزير ابن الفارض أبو عبد الله الحسن بن سعدان (ت 375هـ/985م) كان يكرم أبا سليمان السجستاني (ت 380هـ/990م) حيث يحدثنا أبو حيان التوحيدي (ت 400هـ/1009م) مخاطبًا ابن سعدان حول مساعدته المادية لأبي سليمان بقوله:"إنك أنعشت روحه، وكان خفت، وبصرته، وكان عشي، وأبنت جناحه، وكان قد خص بالرسم الذي وصل إليه" (59) .