مقولة هامشية وإنما هي حقيقة تدل على أهمية وضخامة المعلومات التي وصلت إلينا عبر القرون بالشعر ومن خلاله عن حياة وأيام وأخبار تلك القبائل والدول، بما يوفر قسطًا كبيرًا من الدقة، وتغطية شبه شاملة لمعظم المعارك التي كانت تدور فيما بين تلك القبائل أو الدول.
فالشعر هو المصدر الأول والرئيسي الذي حفظ به العرب الكثير من المعلومات المختزنة ضمن قصائده. ونقلت إلينا خلال هذه القرون الطويلة، هذا ولن ندخل هنا في مجالات سبق أن ولجها الكثير من الدارسين ذوي الاختصاص بالأدب الجاهلي، وناقشوا مدى أصالته وصدقه وغير ذلك من الأمور التي هي خارج بحثنا هذا. والمهم بالنسبة لنا، أن الشعر الجاهلي موجود ولا يمكن أن يأتي من عدم، وعالج العديد من الموضوعات الحياتية التي كان يألفها الإنسان العربي، فتطرق الشعراء لوصف مظاهر الطبيعة: المطر والنخيل والسحب، ومشاهد من فصول الشتاء، والغدران ومواضع المياه والسيول والنحل والعسل وبعض الصخور الغريبة والطيور ووصف بعض الحيوانات، فقد اشتهر البعض منهم بوصف الخيل مثل النابغة الجعدي، وأوس بن حجر بوصف الحُمر، وعلقمة بن عبدة بوصف النعامة وغيرهم، وعنوا بالمديح واستعاروا لذلك تشابيه مألوفة في حياتهم، وتفننوا في الغزل والهجاء والحكمة، ولم يَقِلَّ أثر الشاعر في السلم والحرب عن أثر الفارس، الشاعر يدافع عن قومه بلسانه يهاجم خصومهم ويهجو سادتهم، ويحث المحاربين على الاستماتة في القتال، ويبعث فيهم الشهامة والنخوة للإقدام على الموت حتى النصر، في حين كان الفارس يدافع عن قومه بسيفه، وكلاهما ذابٌّ عنهم محارب في النتيجة، بل قد يقدم الشاعر على الفارس، لما يتركه الشعر من أثر دائم في نفوس العرب، يبقى محفوظًا في الذاكرة ومتناقلًا على الألسنة، يرويه الخلف عن السلف بينما يذهب أثر السيف بذهاب فعله في المعركة.