والشعر هو الذي حفظ لنا تلك المعارك والقصص والأخبار حلوها ومرها التي ما تزال تتردد أحداثها وحوادثها بين أسماعنا ونشنف آذاننا بسماع أخبارها وترداد قصصها كل حين، إضافة لوجود عدد كبير من الشعراء الفرسان.
*الحرب والشعر:
أفاد الشعر الجاهلي المؤرخين والباحثين في تأريخ الفترة الجاهلية، فائدة جلى لا تقدر بثمن.
وربما زادت فائدة هذا الشعر من الوجهة التأريخية على فائدته من الوجهة الأدبية، لأنه حوى أمورًا مهمة من أحداث العرب الجاهليين، لم يكن في وسعنا الحصول عليها لولا هذا الشعر. وكانت القبائل العربية تعتز وتتباهى كلما نبه فيها شاعر واشتهر وذاع صيته، لأنها بذلك تضمن المنافح عنها والكفيل بالتصدي لهجمات المعتدين وأقوال المغرضين.
زخرت دواوين الشعراء الجاهليين بالعديد من القصائد أو الأبيات الشعرية التي تتحدث عن الحرب وويلاتها وآثارها وأخطارها، والتي تدل على خبرة عظيمة ومعرفة متعمقة بالحرب وفنونها وأشكالها التي كانت تجري في تلك الأيام، يقدم لنا الشعراء خبراتهم وتجاربهم من خلال الدروس المستفادة من تلك الحروب، إذ تشكل تلك القصائد نواقيس خطر تدق لمن يملك قليلًا من عقل ليتجنب خوض الحروب ويتحاشى ويلاتها ومخاطرها التي ذاقوا بعضًا منها أو تعرفوا على البعض الآخر خلال حياتهم الطويلة...
من تلك النماذج والشواهد نسوق بعضًا من هاتيك الأبيات الشعرية التي تطرقت للحرب وتحدثت عنها وحذرت من مغبة إشعال فتيلها تناولها الكثير من الشعراء في أشعارهم، ولعل زهير بن أبي سلمى يعد واحدًا من أبرز هؤلاء الذين ضرستهم التجارب والأعوام الطوال التي عاشها حيث نيف على الثمانين عامًا، فحفلت أيامه وأعوامه بالعديد من الخبرات والأخبار، نقل إلينا بعضًا منها عبر شعره الرائع، المليء بالحكم التي ما زالت وستبقى صالحة لكل عصر وأوان.
يقول زهير في حديثه عن الحرب عبر معلقته الشهيرة:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتهم