متى تبعثوها تبعثوها ذميمة ... وتضرَ إذ ضريتموها فتضرم
فتعرككُمْ عَرْكَ الرَّحى بثفالها ... وتلقح كِشافًا ثم تُنْتجْ فَتُتئِم
إن حديثه عن الحرب ليس بالحديث الغفل أو الجديد، وإنما هو حديث عن أمر معاش، يعرفه الجميع، وخبروا نتائجه وذاقوا مرارته وويلاته، فليس الحديث إذن رجمًا بالغيب، فهو ينقل في آلته التصويرية الدقيقة الرائعة مشهدًا وصورة أكثر حيوية عندما يرسم صورة الحرب الذميمة، وآلية نشوبها ومن ثم تأجج سعيرها عندما تحتدم في ساحات القتال المعارك الطاحنة الضروس التي لا تبقي ولا تذر والتي إن هي إلا أشبه بالنار تبدأ صغيرة ثم ما تلبث بعد أن تضطرم نيرانها فتصبح كتلة هائلة مخيفة تأكل كل شيء حتى باعثوها ومنشبوها.. ... مهلًا فقد أبلغت أسماعي
إن هذه الصورة الرائعة والدقيقة للحرب وتحولاتها وأخطارها، ما كان لها أن تتأتى من خلال قريحة شاعر رومانسي عادي، لا خبرة له بالحروب ومضارها، وكيف لا؟ وزهير قد أربى على الثمانين عامًا وقد شهد وعاصر العديد منها طيلة هذه السنوات المديدة الزاخرة بالأيام والحروب وخاصة حرب داحس والغبراء التي دامت زمنًا طويلًا، ابتلي الكثيرون بويلاتها وحاق بعدد أكبر الشيء ذاته من الخراب والدمار، ناهيك عن النفوس التي أزهقت والأموال التي أنفقت والبلايا التي حلت بالقبائل المتقاتلة طيلة هذه الحرب -المجزرة- المدمرة، والتي كان شاعرنا واحدًا من معاصريها وشهودها. فنقل لنا بريشة الرسام المرهف تلك الصور الحسية الرقيقة، والمشاهد الواقعية الرائعة وعن ذات الموضوع يقول أحيحة بن الجُلاح الأوسي.
أعصيم لا تجزع فإن الحرب ليست بالدُّعابة
وأبو قيس بن الأسلت يذكر الحرب بقوله:
قالت -ولم تقْصِد لقيل الخنا
أنكرتِه حين توسمته ... والحرب غول ذات أوجاع
من يذق الحرب يجد طعمها ... مرًا وتحبسه بجعجاع
في حين يصف جاس بن مرة الحرب (ت 534م) . ... فان الأمر جلَّ عن التلاحي
تأهب مثل أهبة ذي كِفَاح