فهرس الكتاب
أين الخطأ التربوي المفضي إلى إهمال إعداد الكاتب؟ يخيل إليَّ أن هناك خطأ في تدريس اللغة العربية، وآخر في فهم علاقة العلوم والفنون باللغة العربية. أما خطأ التدريس فكامن في الاتجاه إلى تزويد الطالب بالمعارف اللغوية والأدبية، وإهمال تدريبه على المهارات الخاصة بالكتابة. وقد نتجت عن ذلك مشكلة"التعبير الإبداعي"، تلك المشكلة التي شغلت المعنيين بتدريس اللغة العربية من معلمين ومدرسين ومؤلفين دون أن يعثروا على حل ناجع لها، حتى إن الدراسات العلمية"أظهرت بجلاء أن أكثر من نصف المعلمين يرون أن درس الإنشاء ثقيل على النفس وممل" (19) ، بل إن المعلمين التقوا طلابهم في هذا الأمر، إذ أن الطلاب عدوا"الكتابة من أقل المهارات اللغوية أهمية، وأن أكثر من ثلثهم يشعرون بأن درس الإنشاء ممل وثقيل عليهم" (20) ، على الرغم من أن إقرار المعلمين والطلاب معًا بأهمية التعبير في تحصيل المواد الدراسية. والحق أن نتائج هذه الدراسة دقيقة في دلالتها على واقع التعبير الإبداعي لدى المعلمين والطلاب العرب. فهم يشعرون بأنه"ثقيل ممل"، لأنهم لا يملكون المهارات التي يتحلى بها الكاتب، ولا يعرفون الأساليب التي تفضي إليها، ولهذا السبب يهربون من التعبير، وهو فرع غير مقنن، إلى فروع اللغة الأخرى، وهي فروع مقننة سواء أكان الفرع نحوًا أم قراءة أم أدبًا، إنهم يلجؤون إلى المعارف لأنهم اعتادوا التعامل معها، ويهربون من التعبير لأنه مهارات مركبة متنوعة. وقد سلكتُ المعلمين والطلاب في سلك واحد لأن الخطأ في تدريس اللغة العربية يشملهم جميعًا. فالمعلمون في أثناء إعدادهم التربوي لم يتلقوا شيئًا يعينهم على إعداد الطالب الكاتب، وحين تسنموا أمور تدريس هذه المادة اضطروا إلى تدريس شيء يفتقرون إلى مهاراته، فبدا الأمر"ثقيلًا مملًا"، بالنسبة إليهم، وإلى طلابهم الذين لم يفيدوا منهم.