(الليلة الثالثة والخمسون بعد المائة) . ثم أنه وثب إلى المكان الذي ادَّخر فيه شطر المال الباقي وعاش فيه عيشًا طيبًا وحلف أنه لا يعاشر أحدًا بعد ذلك من الذين يعرفهم ولا يعاشر إلا الأجنبي ولا يعاشره إلا ليلة واحدة فإذا أصبح فلا يعود يعرفه بعدها. وصار كل ليلة يجلس على الجسر وينظر كل من يجوز به. فإذا رآه غريبًا توجه هو إياه إلى منزله فينادمه تلك الليلة إلى الصباح ثم يصرفه ولا يرجع يسلم عليه ولا يقربه ولا يدعوه. فصار يفعل هذا مدة سنة كاملة. (قال) فبينما هو يومًا جالس على الجسر كعادته ينتظر من يقدم عليه حتى يأخذه وينام عنده وإذا بالخليفة ومسرور سيّاف نقمته متخفيان كعادتهما. فنظرهما أبو الفرج. وقام واقفًا وهو لا يعرفهما وقال لهما: هل لكما أن تذهبا معي إلى موضعي فتأكلا ما حضر وتشربا ما تيسر وهو خبز مشبّق ولحم معرّق ونبيذ مروّق. فامتنع الخليفة من ذلك. فأقسم عليه وقال له: بالله عليك يا سيدي امش معي فأنت ضيفي الليلة ولا تخيب فيك أملي. وما زال يلح عليه حتى أجابه إلى سؤله. ففرح أبو الفرج ومشى قدامه وما فتئ يحادثه حتى أتى وهو معه إلى قاعته فدخل وأقعد غلامه على الباب. فلما جلس الخليفة أتاه أبو الفرج بشيء من الأكل فأكل وأبو الفرج يأكل معه حتى يطيب له الأكل. ثم أنه رفع السفرة وغسلا أيديهما وجلس الخليفة. فقدم أبو الفرج آنية الشراب وجلس إلى جانبه وصار يملأ لضيفه ويسقيه ويحادثه. فأعجب الخليفة كرمه وحسن فعاله فقال له: يا فتى من أنت عرفني بنفسك حتى أكافئك على إحسانك. فتبسم أبو الفرج وقال له: يا سيدي هيهات أن يرجع ما فات. ولن أحضر معك وقتًا غير هذا من الأوقات. فقال الخليفة: ولمَ ذلك ولما لا تعلمين بحالك. فقال أبو الفرج: اعلم يا سيدي أن حكايتي عجيبة وأن هذا الأمر له سبب. فقال الخليفة: وما هو السبب. فقال له أبو الفرج: للسبب ذنَب. فضحك الخليفة من قوله.