ولم يزالا يشربان ويتنادمان إلى نصف الليل. فقال له الخليفة: يا أخي هل في خاطرك شهوة تريد أن تقضيها أو حسرة تريد أن تمضيها. فقال: والله ما في قلبي حسرة إلا أني أتولى الأمر والنهي حتى أعمل ما في خاطري. فقال له الخليفة: يا الله يا الله يا أخي قل لي ما في خاطرك. قال: كنت أشتهي من الله أن أنتقم من جيراني. فإن بجواري محلاًّ فيه أربعة شيوخ. فإذا جاءني ضيف يتثاقلون عليَّ ويغلظن الكلام ويهددونني بأنهم يشكونني لأمير المؤمنين وقد جاروا عليّ كثيرًا فإني أتمنى على الله تعالى حُكْمَ يوم واحد حتى أضرب كل واحد منهم أربعمائة سوط وذلك أمام محلهم وأبعث مناديًا في مدينة بغداد ينادي عليهم: هذا جزاء وأقل جزاء لمن يبغض الناس ويكدر عليهم مسراتهم. وهذا الذي أريده لا غير. فقال له الخليفة: يعطيك الله ما تطلب. هيا بنا نشرب ودعنا نقوم قرب الصباح وفي الليلة القادمة أتعشى عندك. فقال أبو الفرج: هيهات. ثم أن الخليفة ملأ قدحًا وجعل فيه قطعة بنج أقريطشي (5) وناوله لأبي الفرج وقال له: بحياتي عليك يا أخي اشرب هذا القدح من يدي. فقال أبو الفرج: أي وحياتك أشربه من يدك. فلما أخذه وشربه وقع على الأرض مثل القتيل. فخرج الخليفة وقال لغلامه مسرور: ادخل إلى هذا الصبي صاحب المنزل واحمله. وإذا خرجت أغلق الباب وائتني به إلى القصر. ثم مضى ودخل مسرور وحمل أبا الفرج وأغلق الباب وتبع مولاه. ولم يزل ماشيًا حتى أتى به إلى القصر وقد تهور الليل وصاحت الديوك ودخل القصر وأبو الفرج على أكتافه. فوضعه بين يدي أمير المؤمنين وهو يضحك عليه. ثم أرسل فدعا جعفرًا البرمكي. فلما حضر بين يديه قال له: اعرف هذا الشاب وإذا رأيته غدًا جالسًا في منصبي وعلى سرير خلافتي متوشحًا بحلتي فقف في خدمته وأوص الأمراء والكبراء وأهل دولتي وأوص مملكتي أن يقفوا في خدمته ويمتثلوا ما يأمرهم به. أما أنت فإذا أوصاك بشيء فافعله واسمع منه ولا تخالفه ذلك اليوم الطالع.