فهرس الكتاب
ويكاد هذا الشطر من حياته يكون غامضًا أشد الغموض، وذلك لأننا لا نعرف خبرًا واحدًا، يضيء لنا جنبًا ما من جوانب هذه الفترة التي قضاها في الجاهلية، ولهذا نضطر إلى أن نستقرئ شعره، فنراه في أغلب قصائده يتحسر على أيام شبابه، ويندب ما يلاقيه من صروف الدهر، وفي هذا ما يدل على أن تلك القصائد لم تنظم إلا في فترة متأخرة من حياته، وإذا ما بحثنا في شعره عن ذكريات الشباب، فإننا لا نجد سوى ذكرى مجلس لهو وشراب، لا يدانيه في سموه غير مجالس الملوك، وهو يصطخب بغناء القيان وموسيقى العود والصنج، ويعبق بريح الكؤوس والقدور:
ولقد غدوت وما يفزِّعني
رؤد الشباب كأنني غصن ... بحرام مكة ناعم نضر
كشراب قيل عن مطيته ... ولكل أمر واقع قدر
مد النهار له وطال عليـ ... ـه الليل واستنعت به الخمر
وسمفَّة دهماء داجنة ... ركدت وأسبل دونها الستر
وجرادتان تغنيانهم ... وتلألأ المرجان والشذر
ومجلجل دان زبرجده ... حدب كما يتحدب الدبر
ونَّان حنَّانان بينهما ... وتر أجش غناؤه زمر (53)
ولما خمدت نشوة الذكرى، وأحس ابن أحمر أن الشباب قد ولى، بدا للشاعر الحكيم أن طريق اللهو بطل وضلالة: ... ولى الصبا وتفاوت النجر (54)
خلو طريق الديدبون فقد
ويبدو من خلال قوله:"كأنني غصن بحرام مكة ناعم نضر"أن هذا الفتى النجدي كان يرتحل إلى الحجاز، ولكننا لا نقوى على تحديد ذلك بوضوح ودقة، وذلك لأننا لا نجد من أخبار تلك الرحلات إلا مثل هذه الإشارة إلى بعض بلاد الجاز. ... وفارس مياس إذا ما تلببا
وهذا المجلس الوحيد في شعره ينم عن شبابه فتى، لم يكن ماجنًا، إذا ما قورن بما نراه من طرفة بن العبد وامرئ القيس مثلًا، أو بما يعرفه ابن أحمر نفسه عن الملك الضليل ولهوه بهند وهر وفرتنى.