فهرس الكتاب
وإذا كان الأصبهاني يجعل ابن أحمر يدرك ابن مروان، فإننا نجد رأيًا آخر، يتفرد به ابن الجراح، فيقول:"توفي على عهد رسول الله R" (122) ، ثم نجد رأيًا ثالثًا يتفرد به أيضًا المرزباني، فيقول:"توفي على عهد عثمان، رضي الله عنه، بعد أنبلغ سنًا عاليًا" (123) .
ورأى ابن الجراح والمرزباني غريب، يطيح للوهلة الأولى بجملة حقائق، يراها الباحث في حياة ابن أحمر وشعرهن فإذا كان قد توفي على عهد النبي، R، أو على عهد عثمان، رضي الله عنه، فعثمان قُتل سنة خمس وثلاثين للهجرة (124) ، ونحن نجد لابن أحمر صلات بمن جاء بعده من الخلفاء، فقد ذكرنا أنه قال شعرًا في علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، ثم هجا يزيد بن معاوية، وشكا ظلم السّعاة إلى ابن أبي العاص، والي ابن مروان على المدينة. وهذا الشعر لا يقرى إليه شك، بل لا نجد سببًا لإثارة أدنى شك حوله، فالرواة يتفقون على أن ابن أحمر"ادّعي عليه أنه هجا يزيد بن معاوية، فطلبه ابن حاطب، فأخذه، وقيده، ثم أفلت" (125) ، وابن أحمر نفسه في قصيدته التي اختارها أبو زيد القرشي في الجمهرة (126) يصرح أنه كان"في الثماني من التسعين" (127) حين شكا ظلم السّعاة إلى ابن أبي العاص، فإذا علمنا أن عبد الملك بن مروان قد ولى ابن أبي العاص على المدينة سنة خمس وسبعين للهجرة (128) ، فإن ذلك يؤكد أن ابن أحمر كان في حوالي التسعين من العمر على الأقل، والرواة يتفقون مرة أخرى على أنه كان شاعرًا مخضرمًا معمرًا،بلغ سنًا عالية (129) ، ويتفرد ابن قتيبة عنهم بقوله في الشعر والشعراء:"عُمِّر تسعين سنة" (130) ، وفي المعاني الكبير:"كان بلغ تسعين" (131) ، وهو في شعره ينوه بأنه"شيخ شآم" (132) ، جرّب تسعين حجة" (133) ، فيظل يتحسر على أيام شبابه، ويظل يندب ما يلاقيه من هرم وضعف وتقدم مفرط في السن."