فهرس الكتاب
مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 50 - السنة 13 - كانون الثاني"يناير"1993 - رجب 1413
فهرس العدد
فثقافة ابن أحمر توشك أن تكون في الحياة الأعرابية التي عاشها في نجد، ومنها انتقلت إليه الفصاحة قبل أن ينزل الجزيرة، حتى قال أبو عمرو بن العلاء:"كان ابن أحمر في أفصح بقعة من الأرض أهلا، يذبل والقعاقع" (168) ، فقد تهيأت له سبل الفصاحة، فأكن له أن يكون"صحيح الكلام كثير الغريب" (169) ، ثم يكون"الشاعر الفصيح"الذي"يتقدم شعراء أهل زمانه" (170) ، و"يستشهد على اللغة بشعره كثيرًا" (171) ، فكانت فصاحته من أبرز ما تميزت به شخصيته وثقافته، وما ذلك إلا لأن هذه الثقافة كانت أعرابية لاطابع، تستمد مظاهرها من البادية والصحراء، فنرى ابن أحمر عالمًا بحياة الأعراب، خبر البادية بكل أفنائها، وعرف الصحراء بكل أكنافها، ومن ذلك قوله: ... هي الأُربى جاءت بأم حَبَوكَرا
فلما غسى ليلي وأيقنت أنها
وأفلتُّ من أخرى تقاصر طيرها ... عشية أدعوا بالستار المُجَبِّرا
فزعت إلى القصواء وهي مُعدَّة ... لامثالها عندي إذا كنتُ أوجَرا
كثور العداب الفرد يضربه الندى ... تعلى الندى في متنه وتحدَّرا (172)
فقد شبه ما وقع من حبائل الأمور بأعظم الدواهي، ولكنه بثقافته الأعرابية أدرك أن أقوى الصواعق ما تجعل الطير يتضاءل من شدة وقعها، وفي ذلك قال ابن قتيبة:"الطير تقاصر من حسن الصاعقة" (137) ، ولهذا جعل نفسه تفلت"من أخرى تقاصر طيرها"، فيفزع إلى ناقته القصواء، فيشبهها في نشاطها وقوتها وسرعتها بثور وحشي، ولا يكتفي بذلك، بل يجعل هذا الثور من العَداب، أي: الرمل المستدق اللين، لأنه يعرف أن بقر الوحش تلوذ به، وفي ذلك يقول البطليوسي:"خصه، لأن بقر الوحش تألفه لخصبه وخوفًا من القانص، فإذا ما جاء القانص اعتصمت بركوب الرمل، فلا تقدر الكلاب عليها" (174) . ... كالعنز تعطف رَوقَيها فتَرتَضِع (175)