فهرس الكتاب
وإذا ما هجا بني أعيا في رواية أو بني سهم في رواية أخرى، فإنه يعيب عليهم لؤمهم، ويستمد من البيئة البدوية صورة طريفة، تليق بهم، فيراهم كالعنز التي ترتضع من خِلفِها، ويقول:
اني وجدت بني أعيا وجامِلَهُم
ولم يكن ابن أحمر عالمًا بطباع الحيوان فحسب، وإنما كان عالمًا بالأنواء والرياح في هذه الصحراء، ويكاد يهجس بالحديث عنها، حتى أنه يرى في هبوبها حنين والهة، لا مُسْكَة في عقلها، ولا زَبْر للُبَّها: ... الا منازل كلها قَر
خَلَد الجُبَيْب وباد حاضِره
ولَهَت عليها كلُّ مُعْصِفَة ... هوجاء ليس للُبِّها زَبْر
عشواء رَعْبَلَة الرَّواح خَجَو ... داة الغُدوّ رَواحُها شهر
خرقاء تلتهم الجبال وأجـ ... ـواز الفلاة وبطْنُها صفر (176)
وما ينفك يذكر أنواعها كالشمال والدبور والصبا والجنوب والجربياء وسوى ذلك، وتمده بيئته بصورها الرائعة وأوقاتها المختلفة وأوصافها المتنوعة... وبذلك أمكن لثقافة ابن أحمر أن تسعفه برصد الفلك، وهو نفسه يذكر أنه كان يراقب النجم حتى غيابه، ويقول: ... بحيث يجري النجم حتى يَقتحم (177)
أراقب النجم كأني مولَع
وهذا الاهتمام بمواعيد النجوم ومواقعها أمر لا يستغرب من شاعر جاهلي أو مخضرم، إذا تحدث عنه، لأن هذه الأمور من أهم مستلزمات حياة الرعب قبل الإسلام، حتى وجد القرآن الكريم القسم بمواقع النجوم قسمًا عظيمًا، لا يستهان به، ولولا اهتمامهم بهذا الموضوع وارتباطه بحياتهم، لما أقسم القرآن به، ونبه على أسماعهم أنه قسم عظيم (178) . ... وتلألأ المرجان والشَّذرْ
وأمثال هذه الظواهر كثير ومتنوع في ثقافة ابن أحمر الأعرابية، ولسوف نرى في دراستنا موضوعاته وخصائص شعره جوانب أخرى منها، لا تكاد تخلو من مؤثرات البيئة الحضرية التي ارتحل إليها فترة وجيزة من الزمن، ومن ذلك قوله في مجلس غناء:
وجرادتان تغنيانهم
ومُجَلجَل دان زَبَرجَده ... حَدب كما يتحدِب الدَّبْر
ونَّان حنَّانان بينهما ... وتر أجش غناؤه زَمْر (197)