فهرس الكتاب
فذكر قيانًا وأحجارًا كريمة وعودًا وصنجًا. ... معاطفًا سابرِيَّات وكَتَّانا (180)
ومن ذلك قوله في المعاطف السابريات:
عِيط عطابيل لُثن الري وابتذلت
وفي السابري من الثياب: ... وعيش كَملس السابِري رقيق (181)
بمنزلة لا يشتكي السُّلَّ أهلُها
فذكر السابريات، وهي من أرق الثياب وأجودها. ... يكون عناء ما يُنَبِّق عانيا
وإذا كانت هذه الثقافة تستمد مظاهرها من الصحراء والبادية، ولا تكاد تخلو من مؤثرات البيئة الحضرية، فإن ثمة مصدرًا مهمًا، ينبغي أن نشير إليه، و هو القراءة، فأغلب الظن أن ابن أحمر كان يعرف الكتابة قراءة وخطًا، فهو يعرف لحنًا في عنوان صحيفة، ويقول:
إذا جاء منهم قافل بصحيفة
وتعرف في عنوانها بعض لحنها ... وفي جوفها صمعاء تُبلى النواصيا (182)
ويذكر كتبًا، ويقول: ... لم ترج قبل ولم يكتب بها زُبُر (183)
أم لا نزال نُرجِّ عيشة انُفًا
ويصف كتبًا أخرى على ناقة هبهبية، ويقول: ... نضا الكُورُ عن لحم لها مُتخدد (184)
تماثيل قِرطاس على هبهبية
ولعل من أوضح هذه الإشارات إلى ذلك قوله في حاجب: ... أجاده الكاتب خطًا بالقلم (185)
وحاجب كالنون فيه بسطة
وكل ذلك يجعلنا نعتقد أن ابن أحمر كان ممن يقرأ ويكتب، فتكون قراءته مصدرًا آخر من مصادر ثقافته وسمة أخرى من سمات شخصيته.
وبذلك أمكن لهذه الشخصية الأعرابية أن تكون في طليعة الشعراء الأعلام الذين خاضوا بحره، وبعُد فيه شأوهم، فإذا ما سأل أبو حاتم أستاذه الأصمعي عن منزلة ابن أحمر بين الفحول الشعراء، قال:"قلت: فابن أحمر الباهلي؟ قال: ليس بفحل، ولكنه دون هؤلاء الفحول وفوق طبقته" (186) . وأما ابن سلام في طبقاته أربعة، وهم: كعب بن جُعيل التغلبي، فعمرو بن أحمر الباهلي، فسحيم بن وثيل الرياحي، وأوس بن مغراء السعدي، ثم برى أن ابن أحمر مقدم على ابن وثيل، فيقول:"عمرو بن أحمر مقدم في الشعر على سحيم بن وثيل، وسحيم أشرف منه" (188) .