فهرس الكتاب
يروي المعافى (19) أن عبد الملك بن مروان طلب من الشعبي أن ينشده أحكم ما قالت العرب فينشده مجموعة من الأبيات يقول عبد الملك بعد سماعها:"حججتك يا شعبي"يقول طفيل الغنوي:
ولا أخالس حاري في جليلته
حتى يقال إذا وليت في جدث ... أين ابن عوف أبو قرّان مجعون
قال القاضي أبو الفرج: بيتا طفيل اللذين أنشدهما عبد الملك وفضلهما وزعم أنه حج الشعبي، من أشعار الشعراء غير مقصر عنهما، ومن تأمل ما وصفنا وجده على ما ذكرنا من غير أن يحتاج إلى تكلف تفسير ذلك وأطناب الاحتجاج له". وسامع قول المعافى هذا لا يسعه إلا أن يقول: إن الحق معه فقول طفيل لا يمكن أن يقف لأقوال أولئك الشعراء الذين استشهد بهم الشعبي، ولكنه حين يتأمل عبارة المعافى وقوله عن عبد الملك:"وزعم أنه حج الشعبي"، يلاحظ شيئًا من التحامل على الخليفة الأموي. هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن هذا الخبر نقله ابن عساكر عن غير المعافى، ولم نجد بين من روى الخبر أحدًا عاب ذوق عبد الملك أو سفه حكمه، وأين موقف المعافى هذا من موقفه من المأمون مثلًا (20) والإشادة بكل ما يصدر عنه من قول أو فعل، ومن قوله في الرشيد معلقًا على استحسانه لهذه الأبيات لأبي عبد الله بن مصعب الزبيري (21) : ... مراعٍ لأسباب المودة حافظ"
وإني وإن قصرت من غير بغضةٍ
وانتظر العتبى وأغضي على القذى ... الاين طورًا أمره وأغالظ
وانتظر الإقبال بالود منكم ... وأصبر حتى أوجعتني المغائظ
وجربت ما يسلي المحب على الهوى ... وأقصرت والتجريب للمرء وأعظ
قال القاضي رحمه الله:"ولعمري إن هذه الأبيات لمن مستحسن الشعر في معناها، وإعجاب الرشيد بها مما يثني على خلوص أدبه وصفاء قريحته". لقد حدثنا المعافى بأن هذه الأبيات جيدة المعنى ولكنه لم يعلق على المبنى لأن ذلك التعليق سيكون صادقًا، وسيضعف من ثنائه على الرشيد وحسن انتقائه، وليت شعري لو كان المستحسن لهذه الأبيات عبد الملك فماذا سيقول وقتها المعافى؟: ... يطرفك الأدنى عن الأبعد