فهرس الكتاب
والجدير بالذكر أن المعافى قد أحسن انتقاء الأخبار التاريخية والنوادر الأدبية التي فضلت بني هاشم في الشرف والشجاعة، ولعل من أفضل هذه الأخبار ما نقله ابن عساكر في تاريخه عن المعافى (22) في أخبار عبد الملك بن جعفر مما لا نعثر له على ذكر في الكتب الأدبية المعروفة ولا أريد أن أقتبس بعض هذه القصة خشية أن أفقدها روعة العرض الذي قدمها به المعافى وأنى لي في هذه الأسطر أن آتي على تلك الجولات التاريخية واللغوية التي جالها وهو يفسر الألفاظ ويستحضر في تفسيره لها الأمثلة والشواهد.
ورغم هذه النزعة الهاشمية التي عرضنا نماذج منها في هذا المقال تظل النزعة العلمية الموضوعية غالبة على الجليس والأنيس فتطالعنا فيه من حين إلى آخر أخبار نجد أنفسنا بأشد الحاجة إليها ونحن بخلو وجه ماضينا المشرق. ولعل خير ما أختم به مقالي هذا الخبر الذي رواه ابن عساكر في التاريخ (23) عن الجليس والأنيس:"وفد عبد الله بن جعفر على معاوية بن أبي سفيان فأنزله في داره، فقالت له ابنة قرظة امرأته: إن جارك هذا يسمع الغناء، قال: فإذا كان ذلك فاعلميني فعلمته، فأطلع عليه، وجارية له تغنيه وهي تقول:"
إنك والله لذو مَلَّةٍ
وهو يقول: يا صدقاه. قال ثم قال: اسقني، قالت: ما أسقيك؟ قال: ماء وعسلًا. قال: فانصرف معاوية وهو يقول: ما رأى بأسًا. فلما كان بعد ذلك قالت له: إن جارك هذا لا يدعنا ننام الليل من قراءة القرآن، قال: هكذا قومي رهبان بالليل ملوك بالنهار". لقد صدق الخبر في تصوير معاوية فإذا هو الخليفة الكبير ينصف أبناء عمومته ويسهر على رعايتهم وإكرامهم، وهناك أخبار كثيرة تصور جرأتهم عليه وحلمه معهم مما يمكن أن يكون ملحمة رائعة تحكي سيرة هذا الخليفة الكبير وحسن سياسته للأمور."