وكذلك تناقل الناس أحوال الرخاء المستفيض على مصر في القرنين أنفسهما كتب ابن خلدون قبل قدومه إلى مصر في"أن تفاضل الأمصار والمدن في كثرة الرفه لأهلها ونفاق الأسواق إنما هو في تفاضل عمرانها في الكثرة والقلة.". جاء في هذا الفصل قوله:"ويبلغنا لهذا العهد عن أحوال القاهرة ومصر من الترف والغنى في عوائدهم ما (لا) يقضى منه العجب. حتى إن كثيرًا من الفقراء بالمغرب ينزعون إلى النقلة إلى مصر لذلك، لما يبلغهم من أن شأن الرفه بمصر أعظم من غيرها."
ويعتقد العامة من الناس أن ذلك لزيادة إيثار في أهل تلك الآفاق على غيرهم، أو أموال مختزنة لديهم وأنهم أكثر صدقة وإيثارًا من جميع أهل الأمصار. وليس كذلك. وإنما هو لما تعرفه من أن عمران مصر والقاهرة أكثر من عمران هذه الأمصار التي لديك، فعظمت لذلك أحوالهم."."
ومن العلوم أن ابن خلدون يعلق اتساع العمران على زيادة عدد السكان واتساع ضروب العمل ونحل المعاش من فلاحة وصناعة وتجارة. وقد ذكر ذلك في فصل:"أن الصنائع إنما تكمل بكمال العمران الحضري وكثرته". فقال:
"وإذا زخر بحر العمران وطلبت فيه الكمالات كان من جملتها التأنق في الصنائع واستجادتها، فكملت بجميع متمماتها، وتزايدت صنائع أخرى معها مما تدعو إليه عوائد الترف وأحواله". ثم يقول:"وقد تخرج (الصناعة) عن الحد إذا كان العمران خارجًا عن الحد، كما بلغنا عن أهل مصر أن فيهم من يعلم الطيور العجم والحُمُر الانسية ويتخيّل أشياء من العجائب بإيهام قلب الأعيان (أي الحقائق الواقعة) ، وتعليم الحداء والرقص والمشي على الخيوط في الهواء ورفع الأثقال من الحيوان والحجارة وغير ذلك من الصنائع التي لا توجد عندنا بالمغرب لأن عمران أمصاره لم يبلغ عمران مصر والقاهرة أدام الله عمرانها بالمسلمين".