فهرس الكتاب
كان المماليك من سلاطين وأمراء وجنود على اختلاف مراتبهم وتفاوت أصولهم وتباين أعراقهم مسلمين. وكانوا يتلقون تربية عسكرية صارمة وتربية علمية إسلامية دقيقة. وقد اشتهر بعض ملوكهم وأمرائهم وجنودهم بالتقوى والورع وحب العلم ومجالسة العلماء واحترامهم. كانوا غرباء عن البلاد ولكنهم كانوا يشعرون بالمسؤولية الضخمة تجاه الوطن الذي تلقاهم ونشّأهم وعلّمهم وإزاء الدين الذي حررهم وأدّبهم واعتنقته قلوبهم. فكانوا يدافعون عن الدين والبلاد بحمية كبيرة وحماسة لا نظير لها ويبذلون في سبيل ذلك أرواحهم وما وصل إلى أيديهم من مال بطريق التنظيمات الإدارية والاقتصادية. وقد خلّفت عهود المماليك من مساجد وزوايا وخوانق ومدارس وأمثالها من منشآت دينية بنوها وتعهدوها ما يفوق سائر العهود. واشتد النشاط بمختلف وجوهه العلمي والاقتصادي والصناعي. وتجاوز احترامهم للعلماء إلى تقريبهم وتقديمهم في شؤون كثيرة وإلى استشارتهم في الحين بعد الحين في شؤون الدولة والاستماع إلى شكاياتهم وإجابة طلباتهم، وعلى رأس هؤلاء العلماء القضاة على المذاهب الأربعة. فهم مقدمون في الرأي والفتيا. وكان هؤلاء القضاة والعلماء أهلًا للتكريم والاحترام, فقد ضربوا أحسن الأمثال في الزهد والورع وطيب السيرة والثبات على الرأي إذ شعروا أنه موافق للشريعة كما كانوا قدوة لأبناء الشعب وملاذًا لهم إذا عصب بهم أمر أو حلّ بهم حيف. وإذا كان سلاطين المماليك قد أهملوا الشعب بوجه عام واستأثروا بالسلطة فإن أولئك العلماء الذين كانوا من أبناء الشعب قد شاركوا بهذا الاعتبار إلى حدٍّ ما في الحكم والمشورة والتوجيه والفتوى القاطعة.
وكأن العلماء في تلك العهود المضطربة شعروا بما يتهدد التراث الإسلامي، من تفرق وضياع وطمس وإحراق فهبوا لإحياء حركة علمية جليلة بالتعليم ولاسيما التأليف في شتى الميادين. والعالم في تلك العهود هو المتفقه في الدين واللغة والتراث الإسلامي خاصة.