فهرس الكتاب
كذلك نقرأ في ليلة 826 من ذلك الكتاب وصفًا لأحد بساتين القاهرة:"فيه ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وهو مشيد الأركان، رفيع البنيان، له باب مقنطر كأنه إيوان وباب سماوي يشبه أبواب الجنان وبوابه اسمه رضوان وفوقه مئة مكعب عنب من سائر الألوان، الأحمر كأنه مرجان، والأسود كأنه أنوف السودان، والأبيض كأنه بيض الحمام، وفيه الخوخ والرمان والكمثرى والبرقوق والتفاح كل الأنواع مختلفة الألوان صنوان وغير صنوان...". ونجد في الليالي التالية وصفًا لأنواع الفاكهة والأشجار فيه ولصنوف الطيور وللواوين فيه وما في هذه اللواوين (3) من أثاث بديع وللحفلات والولائم ومجالس اللهو التي تنعقد في أبهائها وزواياها وأجنحتها. ولاشك أن الوصف هو ماكان يشاهده أبناء الشعب ويتصورونه أو يتخيلونه بالاستناد إلى ما يرونه وإلى ما يزاولونه من أمور ومرافق.
يدل وصف البستان على التقدم الكبير الذي كانت عليه الفلاحة في وادي النيل. ولا غرو في ذلك فإن خصب تربة الوادي شهير في مختلف الأزمنة على الرغم من شح النيل في بعض السنين وحصول المجاعات، وعلى الرغم من أحوال الفلاحين السيئة في خلال عهود المماليك.
ثم إن ما كان يجري من معاملات تجارية كما رأينا في خان مسرور وهو أحد الخانات ينمّ على ازدهار التجارة بين البلاد العربية بالإضافة إلى ما سبق ذكره في عهد الأشرف قايتباي وعهد الأشرف قانصوه الغوري من مكانة التجارة وحركتها المشتدة بين الشرق والغرب قبل الكشف عن طريق جنوب إفريقية.