لقد أعطى أبو العلاء هذه الوحدات وظيفة ترفيهية تريد أن ترفه عن سكان جنته.. وقد ربط أبو العلاء هذه الوحدات الغنائية بالوحدات الشعرية واللغوية وذلك لأن العملية الغنائية يجب أن تستلهم موادها من العملية الشعرية البسيطة فالمغنون سيغنون تلك الأشعار الخفيفة والمستحبة والملائمة لألحانهم وحناجرهم. هذه الأشعار الخفيفة والمستحسنة والبسيطة إنما صيغت في بناء لغوي مهذب ومشذب. وهكذا فإن الدفق الشعري والغنائي ينبغي أن يؤطر في قالب لغوي شعبي ترتاح له الأذن ويطرب له السامعون.
من هنا كان على علماء اللغة أن يصيغوا قوالب لغوية بسيطة شعبية وواقعية يمكن للشعراء أن يستخدموها للتعبير عن عواطفهم وأحاسيسهم ومن ثم يمكن للمغنين أن يستسيغوا هذه القوالب اللغوية البسيطة ليغنوها حسب ألحانهم وموسيقاهم.
وهكذا فإن جميع هذه العناصر تتألف لتشكل وحدة غنائية رفيعة أرادها أبو العلاء أن تكون متفاعلة ومنفعلة في الوقت نفسه.
إن الخليط تصدع
لولا جوار حسان ... مثل الجآذر أو ب ع
أم الرباب وأسما ... ع والبغوم وبو ز ع
لقلت للظاعن أظعن ... إذا بدا لك أو د ع
وهكذا نرى أبا العلاء يذكر على لسان علي بن منصور الأبيات التي تنسب إلى الخليل بن أحمد الشاعر اللغوي،"والخليل يومئذ في الجماعة وأن هذه الأبيات تصلح لأن يرقص عليها. فينشئ الله القادر بلطف حكمته، شجرة من عفر فتونع لوقتها ثم تنفض عددًا لا يحصيه إلا الله سبحانه وتنشق كل واحدة منه عن أربع جوار يرقن الرائين، ممن قرب والنائين يرقصن على الأبيات المنسوبة إلى الخليل فتهتز أرجاء الجنة طربًا". ... في السود كلهم لابيضت السود (6)
ويقول الشيخ علي بن منصور: لمن هذه الأبيات يا أبا عبد الرحمن؟ فيقول الخليل لا أعلم. فيقول: إنا كنا في الدار العاجلة نروي هذه الأبيات لك. فيقول الخليل: لا أذكر شيئًا من ذلك ويجوز أن يكون ما قيل حقًا فيقول: أفنسيت يا أبا عبد الرحمن وأنت أذكر العرب في عصرك؟ فيقول الخليل: