فهرس الكتاب
وبعد أن فصَّل الإمام الشافعي المسألة أتى بالدليل والحجة على رأيه فقال:"فإن قال قائل: ما الحجة في أن كتاب الله محض بلسان العرب، لا يخلطه فيه غيره؟ فالحجة فيه كتاب الله قال الله (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه((إبراهيم: 4) ."
فإن قال قائل: فإن الرسل قبل محمد (( ) كانوا يرسلون إلى قومهم خاصة، وإن محمدًا بعث إلى الناس كافة فقد يحتمل أن يكون بعث بلسان قومه خاصة ويكون على الناس كافة أن يتعلموا لسانه وما أطاقوا منه، ويحتمل أن يكون بعث بألسنتهم: فهل من دليل على أنه بعث بلسان قومه خاصة دون ألسنة العجم؟ فإذا كانت الألسنة مختلفة بما لا يفهمه بعضهم عن بعض فلابد أن يكون بعضهم تبعًا لبعض، وأن يكون الفضل في اللسان المتبع على التابع، وأولى الناس بالفضل في اللسان، من لسانه لسان النبي، ولا يجوز ـ والله أعلم ـ أن يكون أهل لسانه اتباعًا لأهل لسان غير لسانه في حرف واحد، بل كل لسان تبع للسانه، وكل أهل دين قبله فعليهم اتباع دينه، وقد بيَّن الله ذلك في غير آية من كتابه:
قال الله تعالى: (وإنه لتنزيل ربِّ العالمين، نَزَلَ به الرُّوحُ الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين(،(الشعراء: 192 ـ 195) . وقال: (وكذلك أنزلناه حُكمًا عربيًا(.(الرعد: 37) .
وقال: (وكذلك أوحينا إليك قرآنًا عربيًا لتنذر أمَّ القرى ومن حولها(,(الشورى: 7) .
وقال: (حم. والكتاب المبين. إنا جعلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون((الزخرف: 1 ـ 3) .
وقال: (قرآنًا عربيًا غير ذي عوج لعلهم يتقون((الزمر: 28) .
قال الإمام الشافعي بعد ذلك (8) : فأقام حجته بأن كتابه عربي في كل آية ذكرناها، ثم أكد ذلك بأن نفى عنه ـ جلَّ ثناؤه ـ كل لسان غير لسان العرب، في آيتين من كتابه:
فقال الله تبارك وتعالى: (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يُعلِّمه بشرٌ، لسانُ الذين يُلحدون إليه أعجميٌ، وهذا لسانٌ عربيٌّ مبين(.(النحل: 103) .