لقد أراد أبو العلاء للوحدات الأخلاقية أن تظهر بشكل مباشر في رسالته على الرغم من أنه كان قد استخدم هذه الوحدات الأخلاقية في كل الوحدات التي تشكل الرسالة.
ويبدو وكان أبا العلاء أراد أن يؤكد الوظيفة الأخلاقية مستشهدًا بوحدات أكثر حسًا وواقعية لتدل على ما كان يموج في نفسه من حسرة وألم تجاه القيم الاجتماعية التي سادت عصره. فهو لا يستطيع أن يثور على المجتمع ويخاطبه شارحًا قيمه الجديدة التي آمن بها، فإذا فعل ذلك فإن المجتمع لن يتقبل هذه القيم التي هي قيم فردية بجنة أنها قيم أبي العلاء وحده.
فالأعمى هو أبو العلاء نفسه وليس المجتمع.
والمريض بالجدري هو أبو العلاء نفسه وليس المجتمع.
والصائم أمد الدهر هو أبو العلاء نفسه وليس المجتمع.
والآكل الخبز طعامًا والتين حلوًا هو أبو العلاء نفسه وليس المجتمع. وأخيرًا فإن الذي لا يحب أن يجني على أحد إنما هو أبو العلاء نفسه على الرغم من أن أباه كان قد جنى عليه وليس المجتمع.
من هنا فقد تجنب أبو العلاء كل هذه الاحتمالات لذلك نراه يلجأ إلى"حمدونة"وإلى"توفيق السوداء"ليجعلهما تعبران عما يعتلج في نفسه من قيم أخلاقية وفلسفية أرادها لسكان جنته بعد أن فشل في تطبيقها على مجتمعه.
تقول حمدونة: "أتدري من أنا يا علي بن منصور؟ فيقول: أنت من حور الجنان اللواتي خلقكن الله جزاء للمتقين، وقال أنا كذلك بإنعام الله العظيم، على أني كنت في الدار العاجلة أعرف بـ"حمدونة"وأسكن في "باب العراق بحلب"وأبي صاحب رحى وتزوجني رجل يبيع السقط فطلقني لرائحة كرهها في فيّ وكنت من أقبح نساء"حلب"فلما عرفت ذلك زهدت في الدنيا الغرارة وتوفرت على العبادة وأكلت من مغزلي ومردني فصيرني ذلك إلى ما ترى".