فهرس الكتاب
وأما أنصار الفريق الثالث القائلين بالتوسط، فهم أقرب مايكون إلى الواقعية إذ من المعروف أن الاختلاط بين العرب وغيرهم من الأمم كان موجودًا في مكة المكرمة عن طريق التجارة وغيرها، مما أدى إلى التأثر والتأثير في اللغة، فدخلت إلى العربية بعض ألفاظهم مع شيء من التحوير في الصيغة والصوت. ونجد ذلك في أشعار الجاهليين ولاسيما من أكثر من دخول بلاد فارس والروم من الشعراء.
وهذا ما نبه إليه ابن عطية في تفسيره، وتبعه القرطبي، وذكره السيوطي فقال:"كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلغتهم بعض مخالطة لسائر الألسنة في أسفارهم، فعلقت من لغاتهم ألفاظًا غيَّرت بعضها بالنقص من حروفها واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها، حتى جرت مجرى العربي الفصيح، ووقع بها البيان وعلى هذا الحد نزل بها القرآن". (36) .
وقد خلص ابن عطية إلى هذه النتيجة بعد أن ذكر خلاف العلماء وقال:"إن القاعدة والعقيدة هي أن القرآن بلسان عربي مبين، فليس فيه لفظة تخرج عن كلام العرب، فلا تفهمها إلا من لسان آخر، فأما هذه الألفاظ وما جرى مجراها فإنه قد كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة بتجارات وبرحلتي قريش، وكَسفر مسافر بن أبي عمرو إلى الشام، وسفر عمر بن الخطاب، وكسفر عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد إلى أرض الحبشة، وكسفر الأعشى إلى الحيرة، وصحبته لنصاراها مع كونه حجة في اللغة، فعلقت العرب بهذا كله ألفاظًا أعجمية غيَّرت بعضها بالنقص من حروفها، وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها، حتى جرت مجرى العربي الصريح، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن، فإن جهلها عربي ما، فكجهله الصريح مما في لغة غيره، كما لم يعرف ابن عباس معنى"فاخر"إلى غير ذلك."
فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية، لكن استعملتها العرب وعربتها فهي عربية بهذا الوجه.