وبلد دريد بن الصمة والطرماح وعامر بن الطفيل والعباس بن مرداس وعلقمة بن عبده وتميم بن مقبل وزيد الخيل والخنساء والحطيئة وغيرهم من الأبطال والأجواد والبلغاء.
ثم هي منشأ جرير والفرزدق. وهي في الخلاصة موطن الشعراء والأبيناء الذين صانت خزائن الأدب العربي أشعارهم وأقوالهم ومازالت تتردد تلك الأقوال والأشعار على صفحات الكتب تليدها وطريفها وعلى أفواه الأدباء وطلاب الأدب العربي في القديم والحديث. وقد عكف علماء اللغة والأدب على التقاطها كالدر المتوهج وعلى صونها والاستشهاد بها خدمة للتنزيل الكريم وإيضاحًا لبيانه وبلاغته، وبذلك حفظت في سدانتها جواهر البلاغة في عباب اللغة الخضم الواسع.
إنها نجد (5) ، بلد حاتم الطائي الذي امتاز بجمعه صفات المروءة والرجولة والفروسية والبلاغة مثل غيره. ولكنه اشتهر إلى ذلك كله بالكرم المستفيض ولم تتبدل طباعه ولا سلوكه في حالي فقره وغناه فهو القائل:
غنينا زمانًا بالتصعلك والغنى
فما زادنا تيهًا على ذي قرابةٍ ... غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر
وهو الذي كان إذا اشتد البرد ليلًا في الشتاء أمر غلامه فأوقد نارًا في يفاعٍ من الأرض لينظر إليها من ضلّ عن الطريق. وفي ذلك يقول: ... والريح يا غلام ريح صرّ
أوقد فإن الليل ليل قرّ
عسى يرى نارك من يمر ... إن جلبت ضيفًا فأنت حرّ (6)
الإنسان عنده أخو الإنسان فهو مسؤول عن رعايته وحمايته وعونه. لابد حين نذكر هذه السجية عنده أن نقابلها بما كتبه بعده بما يقرب من أحد عشر قرنًا فيلسوف إنكلترة المشهور توماس عوبز، إذ يرى أن المرء يخشى الغريب ويخافه. والدليل أنه متى جاء المساء وجنّ الليل يعمد القاطن في إنكلترة إلى نوافذ البيت فيغلقها وإلى مصاريع الأبواب فيحكم سدها. الإنسان -على حد قوله- ذئب على الإنسان. ... وأرقط ذهلول وعرفاء جيأل