فهرس الكتاب

الصفحة 11373 من 23694

يُخَيَّل إلينا أن شعورًا عميقًا مستسرًّا قد نشأ طوال قرون بين أرض نجد ومناخها ونباتها ووحشها وطيرها وسكانها. فهم يحيون حياة تلك الأرض ويستمتعون بما تمنحهم من طيب وعذاوة وصفاء ذهن وحرية وسلامة طبع وانطلاق وجودة قريحة وحدة نظر. زرقاء اليمامة التي يروى أنها كانت تبصر مسافة ثلاثة أيام ليست إلا رمزًا إلى تلك الحدة. وكأن سكان نجد كانوا يعتبرون أنفسهم قطعًا من تلك الأرض يتغذون جناها ويرشفون سلسالها ويتنسمون شذاها ويتفيؤون ظلالها ويستمعون إلى هديل حمامها وترجيع وُرْقِها وتغريد عنادلها. بل إنهم يكادون يسمعون خلجات تلك الأرض مع خلجات قلوبهم ويشعرون بنبضها الخفيّ مع نبض عروقهم. كانوا كأنهم والأرض جميعًا شخص واحد تحت سماء واحدة يدركون أدق الفروق بين البُكَرِ والظهيرة والأصائل والعشيات وآناء الليل والنهار. فوضعوا لكل ذلك أسماء دقيقة تملأ بسوادها بياض كتب اللغة. كانوا كإنما يصغون إلى ما تحدِّثُهم به الأشياء في تلك الأرض ويفهمون مكنون ذلك الحديث فهمًا عفويًا سهلًا لا لبس فيه ولا تعقيد. ربما كان أجمل بقاع الأرض البلاد البسيطة الطيبة التي تحافظ على نقاء سكانها وتدنو منهم وكأنها تحدثهم بلغة ودية وبيان مألوف لديهم وبإحساس مرهف وصداقة ساذجة طبيعية. لذلك تجدهم إذا دنا فراق أحدهم لتلك الأرض بث لواعجه ووجده قبل أن يفارقها ونفث شجاه لروابط عميقة لا حدود لها تصله بها.

هل سمعت أو قرأت شعرًا أجمل وأشجى مما قاله أحد أبنائها يريد قبل فراقها أن يستمسك باللحظات العابرة بَلْهَ الأيام والشهور التي لا يكاد المرء يشعر بانقضائها:

أقول لصاحبي والعيس تهوي

تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار

ألا يا حبذا نفحات نجد ... وريّا روضه غبَّ القطار

وأهلُك إذ يحل الحيُّ نجدًا ... وأنت على زمانك غير زار

شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت