وأذكر أنني منذ حفظت في صباي أبيات الصمّة القشيري التي يودع بها نجدًا مازالت هذه الأبيات تتردد في خلدي في الحين بعد الحين وأشعر تلقاءها بخشوع عميق كما يشعر المرء بالخشوع تلقاء قطعة فنية رائعة أيًا كان نوع تلك القطعة الفنية رسمًا أو موسيقى أو شعرًا أو غير ذلك: ... وقل لنجد عندنا أن يودعا
قفا ودعا نجدًا ومن حل بالحمى
بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربا ... وما أحسن المصطاف والمتربعا
تَلَفّتُّ نحو الحي حتى وجدتُني ... وجِعتُ من الإصغاء ليتًا وأخدعا
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشيةٍ أن تصدعا
وليست عشيات الحمى برواجع ... عليك ولكن خلّ عينيك تدمعا
ذكر ياقوت في"معجم البلدان"أنه لم"يذكر الشعراء موضعًا أكثر مما ذكروا نجدًا وتشوقوا إليها من الأعراب المتمضرة"ويورد بعض ما يحرضه من أبيات. ... إليه وإن لم يدرك الطرف أنظر
أبناء نجد الذين غادروها لأمر من الأمور يتعللون بالنظر إلى جهتها كأن النظر نحوها بلسم يخفف سقام هذا الحنين:
أكرر طرفي نحو نجد وإنني
حنينًا إلى أرض كأن ترابها ... إذا مُطِرت عُودٌ ومسك وعنبر
بلادٌ كأن الأقحوان بروضه ... ونور الأقاحي وشي بُردٍ مُحبَّر
وما نظري من نحو نجد بنافعي ... أجل لا ولكني إلى ذاك أنظر
أفي كل يوم نظرة ثم عبرة ... لعينيك مجرى مائها يتحدر
متى يستريح القلب أما مجاور ... بحرب وأما نازح يتذكر
يدرك الشاعر النائي أن التفاته نحو جهة نجد ونظره إليه على البعد لا ينفعه في شيء. ولكنه ينظر، ثم ينظر كل يوم، ثم تجري عبراته ويتنزّى قلبه فلا يستريح ما دام مشاركًا في حرب أو نازحًا بعيدًا من وطنه وأهليه. ... تبكّي على نجد لعلي أعينها