فهرس الكتاب

الصفحة 11375 من 23694

كانت بلاد الشام والعراق ولاسيما دمشق وبغداد مراكز الحضارة في العالم أجمع. فيها مفاتن المدنية في كل شيء. ولكن أولئك النجديين يهفون إلى ربوع وطنهم التي تذوقوا فيها نعمى الانطلاق والحرية والحياة الطبيعية البسيطة النقية. يسأل أعرابي نجدي عن نجدي آخر لعله يلقاه في الغربة ولعلهما يتعاونان على البكاء كما تتجاوب حمامتان مطوَّقتان تُرَجّعان ثم ينظُر النجدي الشاعر في الليل نحو نجم سهيل وهو نجم جنوبي وينظر كرّة أخرى إليه ويدرك مدى البعد من وطنه فيشتد شوقه وينشد:

خليليّ هل بالشام عينٌ حزينة

وهل بائع نفسًا بنفس أو الأسى ... إليها فأجلاها بذاك حنينها

وأسلمها الباكون إلا حمامة ... مطوقة قد بان عنها قرينها

تجاوبها أخرى على خيزرانة ... يكاد يُدَنّيِها من الأرض لينها

نظرت بعيني مؤنسين فَلَمْ أكد ... أرى من سهيل نظرة أستبينها

فكذبت نفسي ثم راجعت نظرة ... فهيج لي شوقًا لنجد يقينها

كذلك يستشرف عبد الرحمن بن دارة بعيني غريب كأنهما رمداوان لعله يرى برقًا يومض من عالية نجد ويتأمل هيئة ومضه تعللًا. وهو يحن غب البرق والمطر إلى ألحان ورقاء تسجع على أيكة في وادي عاقل يميس بها الغصن الناعم الذي تغرد عليه. ثم ينظر في نفسه فيشعر بلوعة فراقه نجدًا. أوليس هو ونجد خليلين كانا متلازمين؟! أوليسا هما قرينين كانا متصلين اتصال طاقات الحبل فقطعت تلك الطاقات بعد شد عقدها؟! وهو الآن لا يملك إلا أن يدعو لنجد بالسقيا على قرب العهد منه وقد صرفه بالبعد عنه شغل شاغل: ... كأن غريبات العيون بها رمد

نظرت ودور من نصيبين دوننا

لكيما أرى البرق الذي أومضت به ... ذرا المزن عُلْوِيًّا (7) وكيف لنا يبدو

وهل أسمعن الدهر صوت حمامة ... يميل بها من عاقل غُصُنٌ مأْد

فإني ونجًا كالقرينين قُطّعًا ... قُوى من حبال لم يُشدّ لها عقد

سقى الله نجدًا من خليل مفارق ... عدانا العَدا عنه وما قدم العهد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت