متى أرى الصبح قد لاحت مخايله ... والليل قد مُزّقت عنه السرابيل
ليل تحيّر ما ينحط في جهة ... كأنه فوق متن الأرض مشكول
نجومه رُكّدٌ ليست بزائله ... كأنما هنَّ في الجو القناديل
ما أقدر الله أن يُدني على شَحَط ... من داره الحزن ممن داره صول
الله يطوي بساط الأرض بينهما ... حتى يُرى الربع منه وهو مأهول
وكانت العرب تقول:"من تربّع الحَزن وتشتّى الصّمّان وتقيّظ الشرف فقد أخصب" (8) . ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
ولرسوخ المحبة والتواصل بين الأرض والسكان نجد الشعراء يلهجون بالمواضع التي عاشوا فيها أو مروا بأطلال لهم بها لهوٌ أو متاعٌ أو ذكرى طيبة. ثم بقيت هذه الأطلال شاخصة بعد ترحُّل أهليها عنها تقاوم الرياح والأنواء لتصون في قلوب الركب الوفية ذكريات الأيام والليالي الخالية. كلُّ طلل أو موضع حرفٌ مشع في سجل الأدب العربي الحافل، أو هو شعر أو لحن تهتز على إيقاعه القلوب. بل كأن لهذه المواضع أرواحًا خالدة. وحقًا رفعها الفن الأصيل من صعيد الواقع إلى عالم الخلود المضيء.
أحب أن أعيد هنا طائفة من الأبيات التي ضمت أسماء الأماكن بنبضها الشاعري الذي ما يزال حيًا في أفئدتنا نحن عشاق التراث العربي؛ والإعادة ضرب من التمجيد والترتيل:
منذ صبانا حفظنا من معلقة امرئ القيس ألفاظ سقط اللوى والدخول وحومل وتوضح والمقراة ودارة جلجل.
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
فتوضح فالمقراة لم يعفُ رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمال..
ثم يقول الملك الضليل في أحبابه: ... ولاسيما يومٌ بدارة جلجل
الأربَّ يومٍ لك منهنّ صالح
وما تقوله في الوصف الفني الشاعري للمواضع التي تتخلل معلقة امرئ القيس تقوله أيضًا في بُرْقة ثَهْمَد من معلقة طرفة: ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
لخولة أطلال ببُرقةِ ثهمد
وكذلك في حومانة الدرّاج والمُتَثَلّم والرقمتين اللتين هما روضتان بناحية الصمان من معلقة زهير بن أبي سلمى: ... بحومانة الدراج فالمُتَثلِّم
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم