فهرس الكتاب

الصفحة 11392 من 23694

-ثمة مكانان ملموسان في صور ذي الرمة؛ أحدهما عام والآخر خاص، المكان العام هو الصحراء، والمكان الخاص هو البادية، وثمة فارق بين المكانين، حيث تشكل الصحراء دائرة مكانية كبرى غير مأهولة، ضمن هذه الدائرة الكبرى ثمة دوائر داخلية صغرى هي البوادي المأهولة، وعلاقة البُداة بالمكان الأول (الصحراء) علاقة اجتياز ومرور، لا علاقة إقامة واستيطان، في حين أن علاقتهم بالمكان الثاني (البادية) هي على النقيض تمامًا من العلاقة الأولى. من خلال دراستنا لطبيعة العلاقتين نجد أن العلاقة الأولى (علاقة الاجتياز الصحراوي) ثابتة لا تتغير لثبات المكان ذاته، في حين أن العلاقة الثانية (علاقة الإقامة في البوادي) متغيرة بتغير خصوبة المكان وتبدلها، فالبقعة المأهولة من البادية قد تذهب في التصحر، فيطلب القوم غيرها، وهنا تتقاطع الصحراء -المكان الواسع الممتد- مع الطلل الأقل امتدادًا في نقطة المشاكهة المكانية (القحولة والقحط) ، وبذلك تتحول العلاقة الارتباطية بين الإنسان والمكان من علاقة الإقامة إلى علاقة الاجتياز. وتتميز علاقة الاجتياز الطللي عن علاقة الاجتياز الصحراوي بازدياد حدة التوتر الشاعري نتيجة لتداعي الذكريات الماضية، مما يدفع الشاعر إلى محاولة إحياء المكان وبعثه أملًا بعودة الماضي، مستغلًا قابلية المكان الطللي للحياة، بصفته لا يمثل فناء مطلقًا، بل مرحلة الاحتضار المكاني أو شبه الموات، ويطرح الشاعر فكرة إحياء المكان استنادًا إلى مثنوية (أم) ترتبط بفكرة الاجتياز ارتباطًا وثيقًا، وهذه المثنوبة -على حد زعمي- هي مثنوية (الحل والترحال) والتي ترتبط بالنقد العربي منذ مراحله التاريخية الأولى، إلا أنه لم يستطع في أسعد لفتاته رصد أبعادها؛ ليولّد منها مثنوية (السكون والحركة) والتي يقع على عاتق الصراع التضادي بين طرفيها العبء الأكبر في محاولة إحياء المكان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت