فهرس الكتاب

الصفحة 11395 من 23694

من ثم يصعّد الشاعر من حدة الصراع بين السكون والحركة، وبين الموت والحياة، وذلك من خلال طرح مثنوية جديدة هي وليدة مثنوية (السكون/ الحركة) نفسها. فبعد انتهاء دور السكون في رسم صورة المكان تبرز الحركة عنصرًا فعالًا فيه، وعن هذه الفعالية الحركية تتولد المثنوية الجديدة المطروحة كبديل لتصعيد حدة الصراع المكاني، حيث تنقسم الحركة قسمين: حركة مدمرة، وأخرى بناءة، تتجلى الحركة المدمرة في تأكيد الشاعر فعالية (الريح الرملية) التي تعمل على تعفية المكان الطللي، في حين تتجلى الحركة البناءة في دور (الريح الرادة) التي تهب من جهة معاكسة للريح الأولى، فتعمل على سحب ما توضّح في الطلل من رمال، وتنبذها بعيدًا، وفي ذلك إصرارًا آخر من الشاعر على بعث المكان وبث مظاهر الحياة فيه على الرغم من ذلك الموات المخيم ممثلًا بتقاطع الحركة المدمرة (الريح الرملية) مع الثبات المكاني (الخواء والعفاء في الفاعلية) :

سيلًا من الدّعصِ أغشتْهُ معارفها

ثم إن تصوير ذي الرمة للريح الرملية كمظهر من مظاهر الفاعلية الحركية المدمرة للمكان تتصعد حدته أيضًا عن طريق تأكيد فاعلية الأمطار الموسمية التي تتخذ الطابع السلبي ذاته لاستمراريتها وغزارتها، فتعمل بدورها على تعفية الطلل: ... ضربُ السّحاب ومرٌّ بارحٌ تَرِب (7)

لا، بل هو الشوق، من دار تخوّنها

إذا نظرنا إلى البيت بمفرده -بعيدًا عن سياقه- نجد أن حس الموت يبدو مسيطرًا على الحياة في ثوب الحركة وزيها (أمطار+رياح) فالعفاء المكاني مرتقب- بل حتمي- مع ديمومة الفاعلية الحركية المدمرة واستمراريتها (تخوّنها) ولكن إصرار ذي الرمة- من جديد- على معرفة المكان عن طريق الموجودات المكانية المزمنة ينفي تلك الحتمية وذلك العفاء المرتقب، فتنبثق الحياة بحلّتها القشيبة على الرغم من عوامل التعفية جميعًا: ... نُؤْيٌ ومستوقَد بالٍ، ومُحْتَطبُ

يبدو لعينيك منها وهي مزمنةٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت