فهرس الكتاب
إلى لوائح من أطلال أحويَةٍ ... كأنها خِلَلٌ موشيةٌ قُشُبُ
بجانب الزُّرْق لم تطمس معالمَها ... دوارجُ المُورِ والأمطارُ والحِقَبُ
بهذه الأبيات يفرغ ذو الرمة من الوقوف على الطلل، وفيما لو حزمنا مجاميع العلاقات المتداخلة في هذه الوحدة التكوينية من القصيدة بصفتها وحدة طللية يمكننا ملاحظة جملة من الثنائيات المتعارضة المتضادة تمثل فكرة الصراع بين الحياة والموت، حيث يمثل الطرف الأول من هذه الثنائيات صورًا مكانية تعكس الموات المكاني (الرمال تتوضع في المكان الطللي، سيل الرمال يغشى الطلل، المطر المعفي يلازم الدمنة، أطلال الأحوية اللائحة) في حين يمثل الطرف الثاني من هذه الثنائيات صورًا مكانية تعكس الحياة كمقابل ضدي لكل صورة من الصور السابقة (ريح الصّبا تنسف الرمال بعيدًا، ريح النكباء تسحب الرمال من الطلل، الدار واضحة المعالم والموجودات لم تطمسها دوارج المور، الأحوية موشاة قشبية) وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على تغليب عنصر الحياة وتلاشي الموت. ... بها المفاوز حتى ظهرها حدب (9)
في الوحدة التكوينية الثانية من القصيدة -وهي وحدة غزلية- يربط الشاعر الديار الدارسة باسم المحبوبة (ميّ) ثم يمضي في التغزل بها، ويمكنني القول: أن ثمة علاقة توازن وتشابه بين الفاعلية البنائية للحركة المكانية -الممثلة بالصور المكانية الحية التي عكست حيوية الطلل- وبين الغزل بصفته الوحدة التكوينية الثانية، حيث يلاحظ المتأمل في هذه الوحدة نمطًا جديدًا من أنماط بعث المكان وإحياؤه عن طريق بعث الماضي المرتبط به، فالذكريات المتداعية -هنا- ليست إلا تعبيرًا عن الرغبة الجامحة في عودة الماضي المكاني السعيد.