فهرس الكتاب
بعد محاولات إحياء المكان وبعثه بوساطة الحركة المكانية من جهة، وبوساطة الغزل كعنصر بنائي من جهة أخرى، تأتي المهمة الأعسر في محاولة ذي الرمة نقل الحركة البناءة -ومن ثم ما يتبعها من صور الحياة المنبثقة منها- إلى المكان الأكبر مساحة والأقل قابلية للحركة وللحياة معًا، وهو الصحراء، وهنا تبرز المعاناة الحقيقية، فالمكان الجديد -الصحراء- مختلف كثيرًا عن المكان الأول- الطلل البادي- ولعله من اليسير بث مظاهر الحياة بأساليب شتى في البوادي (كاستنبات الكلأ، واستنزال المطر، وإسكان المكان بالحيوان، وتحريك الريح البناءة) لكنه من العسير -بل من المستحيل أحيانًا -نقل تجربة المكان، ومن ثم إحيائه، إلى الصحراء، كما لو كانت بادية؛ فالصحراء لا يستهطل فيها مطر، ولا يستنبت فيها كلأ، وليس للريح فيها دور بنائي: بل دور هدام مدمر يتمثل في الرمال المستثارة، والكثبان الرملية المبثوثة في المكان والعواصف الهوج، وهذه سمات مميزة للصحراء تجعلها موحشة مقفرة مثيرة للهواجس والوساوس في نفس مجتازيها، ولذلك حاول ذو الرمة في اجتيازه للصحراء أن يبعث بعض مظاهر الحياة فيها بوساطة الحركة البناءة، وتتجلى هذه الحركة في محاولتين:
-الاستئناس برصد حركة الناقة الجميلة، وتحريك المكان بحركتها.
-نقل حركة الناقة إلى حيوان الصحراء (حمار الوحش- الثور الوحشي- الظّليم) معتمدًا في ذلك على ظاهرة الاستطراد في معرض الصورة.