فهرس الكتاب

الصفحة 11398 من 23694

أما الاستئناس برصد حركة الناقة الجَمَليّة فهو شأن ذي الرمة في قصائده الصحراوية جميعها، كما هو شأن الشعراء من قبله، إذ تبدو الناقة في رحلة ذي الرمة قوية كجمل ضخم شديد البأس جلد، وهذه الناقة الحية بكل ما في الكلمة من معاني الحياة -من إحساس بالألم، ونبض بالحركة الحية النشيطة، وشوق إلى الديار -تضفي من حيويتها على الأمكنة الصحراوية التي تجتازها، فيبدو المكان أنيسًا من بعد وحشة، فياضًا بمظاهر الحركة المولدة للحياة، فالراكب على ظهر ناقة ذي الرمة يرى الصحراء تتراقص أمام عينيه ذات اليمين وذات الشمال، تعلو حينًا وتهبط حينًا آخر، وهذا الرقص الحي مستمد من حركة الناقة ودبيبها على الأرض، وبذلك تبدو الصحراء الساكنة في الظاهر مكانًا حيًا متحركًا، إن هذه الحركة الصحراوية انعكاس لحركة الناقة الجملية:

لا تشتكي سقطة منها وقد رقصت

من ثم تتوالى سلسلة من الأوضاع والهيئات الحركية الحيوية للناقة، ويمكننا أن نلاحظ ذلك في جملة من التراكيب اللغوية التي تتآزر فيما بينها لتحريك المكان بوساطة شركة الموجودات: (راكبها يهوي، ركبها نصبوا، تخدي بمنخرق، العيس من عاسج أو واسج خببًا، ينحزن، تنسلب، تصغي -والمقصود: جنوحها وميل رأسها نحو الأرض وكأنها في هيئة الإصغاء -تثب، وثب المسحِّج...) : ... من الجنوب إذا ما ركبها نصبوا (10)

كأن راكبها يهوي بمنخرق

تخدي بمنخرق السربال منصلت ... مثل الحسام إذا أصحابه شحبوا

والعيس من عاسج، أو واسجٍ خببًا ... ينحَزْنَ من جانبيها وهي تنسلبُ

تصغي إذا شدها بالكور جانحة ... حتى إذا ما استوى في غرزها تثب

وثب المسحِّج من عاناتِ مَعقُلة ... كأنه مستبان الشك أو جنب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت