فيعرّج عليهم فإذا هو بشيخ جالس على باب مغارة فيسلم عليه فيحسن الرد ويقول: ما جاء بك يا إنسي؟ فيقول سمعت أنكم جن مؤمنون فجئت ألتمس عندكم أخبار الجنان وما لعله لديكم من أشعار المردة. فيقول: ذلك الشيخ... سل عما بدا لك. فيقول: ما اسمك أيها الشيخ فيقول: أنا الخيتعور أحد بني الشيصبان ولسنا من ولد إبليس ولكنا من الجن الذين كانوا يسكنون الأرض قبل ولد آدم صلى الله عليه. فيقول: أخبرني عن أشعار الجن... فيقول ذلك الشيخ... إن لنا لآلاف أوزان ما سمع بها الإنس...
فإذا شئت أمللتك ما لا تسعه الركاب ولا تسعه صحف دنياك. فيهم الشيخ... بأن يكتب منه ثم يقول: لقد شقيت في الدار العاجلة بجمع الأدب ولم أحظ منه بطائل وإنما كنت أتقرب به إلى الرؤساء فأحتلب منهم درَّبكيء وأجهد أخلاف مصور" (12) ."
ويقول أبو هدرش الخيتعور في موضع آخر من الرسالة:
"... وأنا الذي أنذرت الجن (بالكتاب المنزل) أدلجت في رفقة من الخابل نريد"اليمن"فمررنا"بيثرب"في زمان المعو -أي الرطب-"فسمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا"."
وعدت إلى قومي فذكرت لهم ذلك فتسرعت منهم طوائف إلى الإيمان" (13) ."
إن الفكرة الأساسية التي هدف إليها أبو العلاء هي أنه حتى ذلك الجني المؤمن المسمى بالخيتعور والذي يملك من الأشعار ما لا تستطيع صحف علي بن منصور أن تسعه، والذي يملك من الأوزان الشعرية أضعاف ما يملك بنو البشر فإنه آمن بالقرآن العجيب الذي سمعه والذي يهدي إلى الحقيقة والرشد من خلال معيار فني ولغوي وفلسفي مختلف عما اعتاد عليه هؤلاء الجن.