إن المعيار الفني القرآني هو المعيار الذي يمثل الأساس الأيديولوجي لفلسفة الفن العلائية في الوظيفة الأخلاقية. فأبو هدرش الخيتعور لم يسمع شعرًا عاديًا اعتاد الشعراء أن يقولوه معبرين من خلاله عن تجاربهم الكاذبة لكي يتقربوا به إلى الملوك والرؤساء والحكام... لقد سمع أبو هدرش شيئًا آخر إنه سمع"قرآنًا عجبًا"،"يهدي إلى الرشد"فآمن به.
إن هذا المفهوم القرآني العجيب إنما كان عبر عنه الشاعر لبيد بن ربيعة في قولته التاريخية المشهورة"أبدلني الله به (الشعر) سورة آل عمران والبقرة"وبهذا يكون قد عبر لبيد عما كان يجيش في نفسه وهو الشاعر المجرب الذي مارس الشعر طويلًا. ولكنه عندما قرأ القرآن وسحر به فإنه اكتشف أن ما كان يقوله إنما هو العرض الزائل المتغير والمتبدل. إنه الآن أمام فن آخر هو الجوهر الباقي والثابت الذي تحدى الشعراء على أن يأتوا بسورة من مثله.
لقد جسد أبو العلاء الفلسفة العربية الإسلامية من خلال هذا الحوار.
"فبينما هم كذلك، إذ مر شاب في يده محجن ياقوت ملكه بالحكم الموقوت فيسلم عليهم فيقولون: من أنت؟ فيقول: أنا لبيد ابن ربيعة بن كلاب. فيقولون: أكرمت أكرمت، لو قلت: لبيد وسكت لشهرت باسمك وإن صمت فما بالك في مغفرة ربك؟ فيقول: أنا بحمد الله في عيش قصر أن يصفه الواصفون، ولدي نواصف وناصفون لا هرم ولا برم... فيقول الشيخ: أنشدنا ميميتك المعلقة فيقول: هيهات إني تركت الشعر في الدار الخادعة ولن أعود إليه في الدار الآخرة وقد عُوِّضت ما هو خير وأبرّ" (41) .
وهكذا فقد حاول أبو العلاء أن يلخص دهشة الخيتعور وسمعه للقرآن العجيب وموقف لبيد من قول الشعر مندهشًا من تلك المعايير الفنية واللغوية والفلسفية الجديدة التي جاء بها القرآن من خلال هذه السطور. يقول أبو العلاء: