فهرس الكتاب

الصفحة 11401 من 23694

ولعل موضع (عين الماء) وما يحيط بها؛ رمز للحياة المحاطة من طرف خفي بحس الموت، ولعل (الماء) الذي حثث الحمر الخُطا نحوه، وفي أعماق نفسها ريبة الخوف مما يكتنفه من غموض؛ هو (الحب) نفسه الذي أورد ذا الرمة المهالك غير مرة. ... إلا الدَّهاس، وأمٌّ برَّة وأبُ (18)

وفي مشهد الثور الوحشي يعيد ذو الرمة ربط حركة الناقة بحركة هذا الحيوان الذي غالبًا ما تكون شجرة الأرض ملجأه الوحيد، وموضع شجرة الأرض مكان حي ممطور، تجلو البوارق جوانبه، وعلى الرغم من ذلك يبدو هذا المكان النابض بالحياة ملفعًا بحس الموت أيضًا -كعين الماء في مشهد الحمر الوحشية- وكأنما قدر الحياة صراعها مع الموت!:

(توجّس ركزًا- نبأة الصوت- الوسواس- يخشى- يرتقب) (15) .

ويتصعد حس الشك إلى اليقين عند الفجر، حينما يخرج الثور من كناسه خائفًا، كأن به مسًا من الجن، فتطارده كلاب الصائد الكامن قريبًا من الكنّاس، فتتصارع حركتان وجوديتان؛ حركة الثور الوحشي التي تمثل الحياة، وحركة الكلاب التي تمثل الموت، الحركة الأولى حركة بناءة؛ لانطواء استمرارية الموجودات المكانية تحتها، والحركة الثانية حركة هدامة؛ لأنها تحمل في طياتها فناء الموجودات المكانية وبالتالي: إقفرار المكان وفناءه أيضًا، وأخيرًا تكر الحياة على الموت فتكون الغلبة لها، وبذلك كان موت الكلاب ميلادًا للحياة التي ظلت تنتصر في مجموع قصائد ذي الرمة، إذ لم أقع على مشهد واحد يقتل فيه الشاعر حسن الحياة الفياض في أعماق نفسه، على الرغم من ذلك البؤس الجاثم على صدره، ولا أدل على حس الحياة لدى الشاعر من أنه كان يخيب مسعى الصائد كل مرة، مطلقًا العنان للحياة لتنطلق بعيدًا عن قبضة الموت (16) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت