فهرس الكتاب
أما الحيوان الأخير الذي ينقل إليه ذو الرمة حركة ناقته؛ فهو الظليم مع إنثاه النعامة، حيث يبدو الظليم مسرعًا يعدو في مكان قفر تناهبته ريح شديدة، وفي طريقه تَعْرض له نعامة صغيرة الرأس دقيقة العُنق فتعدو معه، فكأنهما ينتهبان الأرض انتهابًا، وذلك العَدْو لأنهما عاينا سقوط المطر آخر النهار، فضلًا عن خشيتها على فراخهما من السباع (17) .
في حركة الظليم مع نعامته في الأمكنة الموحشة المقفرة تأكيد ثالث على رغبة ذي الرمة في بعث المكان وإحيائه عن طريق موجوداته، وهذا الرصد للمظاهر الحية المؤنسة يتجلى في ذروة تجليه في تصوير ذي الرمة لفراخ الظليم، وعند صورة الفراخ التي كان يسعى إليها الأبوان يُنهي ذو الرمة قصيدته البائية، وكأنه أراد من هذا المشهد الأخير أن يؤكد حسه بالحياة وإيمانه بها، عن طريق الولادة، فهذه الفراخ التي لم ينبت لها ريش بعد؛ هي رمز لحياة المكان، رمز لاستمراريته المستمدة من استمرار موجوداته، كما أنها رمز لحركيته المستمدة من حركة تلك الموجودات:
جاءت من البيض زُعرًا لا لباسَ لها
كأنما فُلِّقت عنها ببلقعة ... جماجم يُبَّسٌ أو حنظل خَرِب
مما تقيَّض عن عوج معطَّفة ... كأنها شامل أبشارها جَرَبُ
أشداقُها كصدوع النّبع في قُلل ... مثل الدحاريج لم ينبت بها الزغبُ
كأن أعناقها كُرَّاث سائفة ... طارت لفائفه، أو هيشرٌ سُلُبُ