فهرس الكتاب

الصفحة 11405 من 23694

رأينا في تحليلنا المثنوية السكون والحركة أن ذا الرمة أدرك ماهية فساد المكان الطللي، فبدا في المشاهد الطللية إنسانًا محطمًا، يحاول جاهدًا أن يجمع شتات نفسه، بعد ما شهد من حوله آماله الماضية تتحطم على صخرة واقع صلب لا يستجيب، لكنه استطاع -على الرغم من ذلك- أن يتغلب على عوامل فساد المكان الطللي (العفاء-الخواء- الموات المخيم) وقد اعتمد في ذلك على حس بالحياة دافق في عروقه، ولذلك يمكنني القول- وبكل اطمئنان-: إن ذا الرمة لم يقتصر في صوره الطللية على إبراز الفساد المكاني، بل إنه نسج خيوط الحياة في لجة من شرانق الموات المكاني، دفعه إلى ذلك تعلق لا متناه بالمكان الطللي، بصفته يشغل حيزًا واسعًا من ذاكرته في الماضي، واهتماماته في الحاضر، وآماله المستقبلية. ولكن ذا الرمة الذي استطاع أن يتغلب على ظاهرة فساد المكان الطللي بمحاولات شتى لبعثه وإضفاء الحياة عليه؛ بدا مستسلمًا- تمامًا- أمام ظاهرة فساد المناهل، والتي تمثلت في شعره بسلسلة من الصور المكررة التي تجري على نمط واحد، وكأنما هذا البطل المهزوم- ذو الرمة- قد خلع قناع الأمل الواهم الذي لمسناه في المشاهد الطللية فبدت عند المناهل الصحراوية الآجنة معالم وجهه الحقيقي المغضن يأسًا، ففي حين بدا في موقفه الطللي مهزومًا يحاول الانتصار، يائسًا يحاول اصطناع الأمل؛ بدا في موقفه عند المنهل الآجن مستسلمًا لواقعه المأساوي، قانعًا بالهزيمة، فيصر على تغييب عنصر الأمل إصرارًا لم نلمسه البتة في موقفه الطللي.

وفيما لو رصدنا صور المنهل الآجن من خلال علاقاتها السياقية، ومن خلال الوظيفة المنوطة بها في ذلك السياق؛ لأمكننا أن نسجل الملاحظات الثلاث التالية:

1-انعكس الفساد الاجتماعي على صورة المنهل الآجل الفاسد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت