فهرس الكتاب

الصفحة 11406 من 23694

إن ذا الرمة الذي طالما اجتاز الصحراء وحيدًا دونما أنيس؛ لابد أن تتداعى له صور -أو بقايا صور- من ماضيه، هذه الصور تعكس علاقته بالمجتمع وأفراده، وبعض الذي كان بينه وبين بعض الناس من عداوات، فإذا ما صادف في رحلته ماءً آجنًا أثار اشمئزازاه؛ وجدته يسقط واقعه النفسي الخاص على ذلك المكان، وكأنما المنهل الآجن الفاسد هو المجتمع نفسه، ولكن بصورته الهشة، ففي حين يبدو الماء العذب رمزًا للحياة في الواقع، يبدو الماء الآجن -على النقيض- من ذلك- رمزًا للحياة القاتمة المشوهة، وصورة لمجتمع فاسد مقيت، فعلى سبيل المثال، حينما تتداعى صورة الحاسد المبغض ذي الكبر للشاعر في رحلته؛ تثير هذه الصورة في نفسه حس الاشمئزاز من المجتمع الفاسد فيربط الصورة ربطًا سياقيًا على التوالي بصورة معادلة ممثلة بالمنهل الآجن الآسن الذي يبدو كأبوال المخاض:

ورُب امرئ ذي نخوة قد رميته

وكسب يغيظ الحاسدين احتويته ... إلى أصل مال من كرام المكاسب

وماءٍ صرىً عافي الثنايا كأنه ... من الأجن أبوال المخاض الضواربِ

2-ارتباط فساد المكان بقلق التجربة العاطفية: ... عنا رحى جابر والصبح قد جَشَرا (20)

إن الصحراء التي اجتازها ذو الرمة بعد وقوفه على الطلل أكدت له حس الوحشة والخواء المكانيين اللذين شعر بهما في المكان الطللي، وبما أن (ميَّة) هي الرابط الأساسي بين المكانين (الطلل والصحراء) -بصفتها صاحبة الطلل، ولأنها ترتاد الشاعر في رحلته الصحراوية على هيئة طيف أو خيال -فإن حس الخواء والفساد المكانيين هو إحساس باطني بالفقر العاطفي، فذو الرمة الذي يرتاده طيف الحبيبة في رحلته فيأنس به، يستيقظ على حقيقة كونه طيفًا لا يمكنه أن ينجو نحوه مقابلًا ومُدانيًا، وبذلك تأتي صورة المنهل الآجن تعبيرًا صارخًا عن قلق التجربة وحس الفشل العاطفيين:

زار الخيال لميّ بعد ما خنست

بنفحة من خزامى فائج سَلٍ ... وزروة من حبيب طالما هجرا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت