فهرس الكتاب
إن المكان خاضع لسطوة الزمان، مرتبط به، متغير بتغيره، ولذلك ترتبط الصورة المكانية- للأطلال خاصة وللصحراء عامة- بالزمان ارتباطًا وثيقًا. ومن خلال رصد عام لزمنكانية الصورة، نلاحظ أن أواصر الارتباط بين الزمان والمكان تزداد متانة وقوة عن طريق خلق ضرب من التجانس الفني بينهما، اصطلحت عليه بالمشاكلة الزمانية للمكان، وتبرز هذه المشاكلة:
-على صعيد الطلل: بالزمن الماضي المقدس الذي يلد مكانًا آنيًا مقدسًا.
-على صعيد الصحراء: بالمكان الصحراوي القاحل الممتد الذي يلد زمانًا قاحلًا ممتدًا.
فعلى صعيد الطلل نلاحظ أن الزمن المقدس بالنسبة لذي الرمة -والذي يرتبط بماضيه السعيد إلى جوار الحبيبة- يضفي سمة القدسية أيضًا على المكان في الزمن الحاضر الآني، وهذا ما عنيته من المكان الآني المقدس، اللامتناهي به، على نحو يكاد يكونُ أسطوريًا، كما وتتمثل قدسية المكان الطللي بالتعلق الوجداني نجد في صورة المكان المقرونة بالوشم مع ما يحمله هذا الوشم من دلالة المضي أو الإغراق في القدم، فضلًا عما يحمله من قدسية، ومن دلالات أسطورية ترتبط بمحاولات الإنسان البدائية لدفع صروف الأقدار عنه:
ما هاج عينيك من الآطلال
كالوحي في سواعد الحوالي ... بين النقا والجرع المِحلالِ
والعفر من صريمة الأدحال ... غيرَّها تناسخ الأحوالِ
وغِيَرُ الأيام والليالي ... وهطلانُ الهضْب والتهتالِ
من كل أحوى مُطلق العزالي ... جَوْنِ النِّطاق واضِح الأعالي
فاستبدلت والدهر ذو استبدال ... من ساكنيها فِرَق الآجالِ
فرائدًا تحنو إلى أطفال ... وكلّ وضّاح القَرا ذيّالِ
فَرْدٍ موشَّى شية الأرمال ... كأنما هنَّ له موالِ
فانظر إلى صدرك ذا بلبال ... صبابة للأزمن الخوالي