فهرس الكتاب

الصفحة 11409 من 23694

إن الاستفهام الإنكاري في افتتاحية القصيدة -والذي يبدو في ظاهرة استنكارًا للتعلق بالمكان المزمن البالي -ماهو إلا تأكيد لهذا التعلق وإصرار عليه، ينبع ذلك التعلق من قدسية المكان وإغراقه في القدم، والذي يبرز بصورة أكثر جلاء في صورة الوشم (الوحي) فضلًا عن ارتباط هذا الوشم بسواعد النساء الفاتنات المتزينات، ونم خلال هذه الصورة التي يجمع بين أطرافها الوشم تتأكد أواصر العلاقة بين أطراف هذه الثلاثية: ... مكان المشهد ... ملابسات المكان ... الإحالات

(ذو الرمة- المكان- المرأة)

ويبدو الصراع الزمنكاني في استبدال كائن حي بآخر آهل للمكان، وسواء أكان هذا الاستبدال تعبيرًا عن الإغراق في فكرة العفاء؛ أم تعبيرًا عن محاولات البعث وفكرة الحياة -على نحو ما أراه- فإن فكرة التغيير قائمة لا جدال فيها، وهذا التغيير -كما بينت- مرتبط بالزمان:

(غيَّرها تناسخ الأحوال، وغِيرُ الأيام والليالي، فاستبدلت والدهر ذو استبدال) .

ولذلك يمكن للقارئ أن يلاحظ أن قدسية المكان لا تنبع من تغيره وعفائه، بل هي نابعة من قدسية زمنه الماضي.

هذا على صعيد الطلل، أما على صعيد الصحراء فتبدو المشكلة الزمنكانية في المكان القاحل الذي يلد زمانًا مجهولًا قاحلًا، على نحو ما وجدنا في تحليل ظاهرة فساد الأمكنة، فالمناهل الآجنة الآسنة التي اصطدم بها الشاعر في رحلاته بعد تجربة ظمأ مريرة ارتبطت من غير شذوذ بصورة الليل حيث يقبع المجهول وتثور الهواجس، فذو الرمة ما كان ليطرق هذه المناهل التي بدت في طعمها كأبوال المخاض إلا ليلًا، وسواء أكان هذا الربط الزماني بالمكان ربطًا شعوريًا تعمده الشاعر -على نحو ما أعتقده لكونه لم يشذ عنه البتة- أم كان ربطًا لا شعوريًا؛ فالثابت يقينًا أن ثمة مشاكلة بين أبعاد المكانية للمنهل الآجن وزمانها المرتبطة به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت