فهرس الكتاب

الصفحة 11411 من 23694

ويمكننا أن نلمس هذه المشاكلة الزمنكانية في غير موضع من نصوص ذي الرمة، فعلى سبيل المثال تكاد ترتبط مشاهد الصيد في شعره ارتباطًا وثيقًا بالليل، فهو يصر على جلب الفريسة من مكان بعيد متفننًا في رصد المشقة المبذولة في السعي نحو الحياة (عين الماء) وتبدو الحياة الملفعة بالموت شديدة الالتصاق بطبيعة الليل، وما يحيط به من وساوس ومخاوف، ولذلك يرى أن زمانًا كالليل هو أنسب ما يكون لرصد لحظة الصيد، لأن ذلك الزمان المظلم يستطيع أن يلقي بظلاله على مكان مجهول مخوف محاط بحس موت مرتقب، فمثلًا: يرتبط مشهد الصيد في واحدة من لوحات ذي الرمة بلحظة زمنية كان من الممكن للشاعر أن يعبّر عنها بلفظ (المغيب) أو ما جرى مجراه في المعنى، إلا أنه يشاكل بين واقع المكان المحاط بالموت وسعي الحمر الوحشية نحوه مسرعة تحث الخطا؛ وبين واقع الزمان المختار (المغيب) فيأتي بالزمن مرتبطًا بصورة الشمس المحتضرة: ... حياة الذي يقضي حشاشة نازع (34)

فلما رأين الليل، والشمس حية

نحاها لثأج نحوة، ثم إنه ... توخّى بها العينين؛ عيني مُتالَعِ

لكننا فيما لو رصدنا مشهد الصيد الخاص بهذه الصورة رصدًا سياقيًا للاحظنا أن لحظة الصيد الفاشل لا تتم في المغيب، بل في ظلمة الليل، وعلى وجه التحديد قبيل انصداع الفجر، وبذلك يرتبط الغلس -وهو ظلمة آخر الليل- بالموت الممثل بتربص الصائد كما يرتبط- أيضًا- بالولادة والحياة الممثّلين بندم الصائد وفشله، ونجاة الحمر وهربها، واقتراب الفجر من البزوغ معلنًا ميلاد النهار، وبشكل عام نلاحظ أن حس الموت مرتبط بزمان مغيب الشمس، في حين يرتبط الموت نفسه بظلمة الليل.

[1] باحث من سوريا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت