فهرس الكتاب

الصفحة 11413 من 23694

إن هذه الصورة الملتصقة بمنطقة (أميل) الرملية الخالية من مظاهر الحياة، والتي تمتد طولًا مسيرة ثلاثة أيام؛ لابد أن تكون وليدة ظروف الوحشة والاغتراب المكانيين، ولذلك يستعين ذو الرمة بجوزاء العالم السماوي لتمد ذلك المكان الخلاء بقطيع من البقر النجمية تتجه نحو الشاعر لتستبدل وحشته أنسًا، إن هذه الرؤية الحالمة هي بشكل أو بآخر تعبير عن رغبة جامحة في إحياء المكان وبعثه في إطار من كونية الرؤى. وفي صورة أخرى تبدو النجوم اللامعة في السماء كالمها واليعافر في العالم الأرضي، مما يضفي على العالم السماوي بُعدًا جماليًا يتمثل في رؤى الشاعر للمهاة والظباء على هيئة النجوم السماوية: ... وراء السّماكين المها واليعافرُ (26)

وردتُ وأرداف النجوم كأنّها

على نِضوة تهدي بركب تطوَّحوا ... على قُلُص أبصارهن غوائرُ

كما يمكننا أن نلاحظ هذا البعد الكوني في صورة نجوم الثريا مع نجم الدَبَران وما يتبعه من صغار النجوم الممثلة بالنموذج الصوري التالي: ... على قمة الرأس ابن ماءٍ مُحلِّق (27)

وردتُ اعتسافًا والثريا كأنها

يَدفُّ على آثارها دَبَرانُها ... فلا هو مسبوقُ، ولا هو يلحق

بعشرين من صُغرى النجوم كأنها ... -وإياه في الخضراء لو كان ينطق-

قِلاصٌ حَدَاها راكب مُتَعَمِّمٌ ... هجائن قد كادت عليه تَفَرَّق

ففي هذا النموذج ينقل ذو الرمة الصور من عالمها السماوي إلى العالم الأرضي على مرحلتين: ... وآجال ملاطمُهُن شيم (28)

تبدأ المرحلة الأولى بنقل صورة الثريا من عالم السماء إلى الفراغ المطلق بين السماء والأرض -الجو- فتبدو نجوم الثريا وكأنها طائر (ابن ماء) يحلق في الفضاء، من ثم تبدأ المرحلة الثانية ويبدو فيها نجم (الدبران) خلف الثريا بمنزلة لا يكاد يتعداها، ومن خلفه عشرون من صغرى النجوم، وكأنما"الدبران"لرجل يحدو عشرين من النوق في تلك السماء الأرضية!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت