فهرس الكتاب
إن صورة الثور الوحشي في البيت الأخير لا تجسد صورة الانهزام فحسب، وإنما تجسد -أيضًا- الصراع في المعركة التي دارت بين الثور وكلاب الصيد تجسيدًا كونيًا يتمثل في نقل صورة الصراع الأرضي إلى العالم السماوي، فهذا الثور في عالم الأرض كوكب في عالم السماء، وتلك الكلاب المدوّمة التي طغت في العدوان وجه آخر للجنّ التي ذهبت تسترق السمع في السماء فأتبعها شهاب مسوم ثاقب. ... كِبْرٌ ولو شاء نجى نفسه الهرب (30)
وإذا رصدنا صورة صراع الثور الوحشي في سياقها لاحظنا أن ذا الرمة مهّد بصورة (تدويم الكلاب) لتصعيد الصراع من العالم الأرضي إلى العالم السماوي:
حتى إذا دوّمت في الأرض راجعة
ومن المعروف أن التدويم إنما يكون في الجو (31) ، وعلى أساس من هذه الدلالة يشكل (تدويم الكلاب) نمطًا من أنماط الصور المتباعدة القائمة على الدقة والخفاء، والتي لا تعقد فيها المشابهة بين عناصر متقاربة ذهنيًا، بل تقاربًا حالمًا، قائمًا على أساس الرؤى الحالمة التي انتقلت الصورة بوساطتها من نطاقها الضيق المحدود (الأرض) إلى أفق كوني (السماء والأرض معًا) رغبة في توسيع دائرة الصراع كونيًا، فضلًا عن ربط الصورة بدلالات أخرى كتلك الحركة الالتفافية الخاطفة في مكان غفل ممتد، وهاتان السمتان مكتسبتان من لفظة (التدويم) ، مستمدتان من طبيعة السماء الممتدة الغفل في لحظات الصراع الفجري، حيث لا شيء في السماء سوى خيوط الشمس الأولى المتسللة في هدوء مريب معلنة لحظة الولادة، لحظة انتصار الحياة -حياة الثور الوحشي- على الموت. ... إلا النّحيزة والألواح والعَصَب (32)
ومن يرصد أمثال هذه النماذج الصورية في ديوان ذي الرمة يجدها كثيرة وليس ثمة حاجة إلى ذكرها جميعًا مع استحالة ذلك.
3-التوحيد بين الموجودات الصحراوية الحية: