فهرس الكتاب
في هذا البعد تبدو الكائنات الحية الصحراوية واحدة على اختلافها في الواقع، وهذا التوحيد ناجم عن ارتباط عميق بالموجودات الحية المكانية، وقد اخترنا نموذجين ممثلين لهذا البعد يمكننا تعميمهما على سائر النماذج الصورية المشابهة:
النموذج الأول: صورة الناقة الجَمَلية.
النموذج الثاني: صورة الحُمُر الإبلية.
في النموذج الأول تبدو الناقة التي حنّكها السير في الصحراء -فأخرجها عن نعومة الأنوثة -وكأنها جمل ضخم وهم، لا تصيبه كلالة من سير، ولا ينال منه نصب:
كأنها جَمَلٌ وَهْم وما بقيت
لا تُشتكى سقطة منها وقد رقصت ... بها المفاوز حتى ظهرُها حَدِب
إن تأكيد التوحيد بين الصورتين (صورة الناقة وصورة الجمل) تأكيد على قوة الناقة وصلابتها، كما أنه تأكيد على كونية رؤى ذي الرمة للموجودات الحية في الصحراء. ومما يؤكد هذا التوحيد الكوني نموذج صوري آخر للناقة الجملية تبدو فيه كأنها ظبيٌ، ولعلها -كذلك- جمل وهم!!. إن هذه التعددية الصورية لدليل كاف على كونية رؤى ذي الرمة للموجودات المكانية، فهذه الناقة التي رسم لنا صورتها يكاد لا يحيط العقل بها مجتمعة، إلا أن يكون ذلك في رؤى خيالية جامحة حالمة: ... دياميمُه طار النَّعيل المرَّقع (33)
على مُستوٍ نازٍ إذا رقصت به
سَمَام نجت منه المهارى وغودرت ... أراحيبُها، والماطليُّ الهملَّع
قلائص ما يُصبحن إلا روافعًا ... بنا سِيرةً أعناقهن تزعزع
يخِدنَ إذا بارين حرفًا كأنها ... أحمُّ الشّوى عاري الظنابيب أقرع
جماليَّة شدفاء يمطو جديلُها ... نَهُوض إذا ما اجتابت الخَرق أتلع
وفي النموذج الثاني من نماذج التوحيد بين الموجودات الصحراوية الحية يصور ذو الرمة الحمر الوحشية الساعية نحو (عين أثال) وقد سلبها ألم العيش فبدت في رؤى الشاعر إبلًا مسلوبة من غنيمة اغتنمها قوم مغيرون: ... من آخرين أغاروا غارة جَلَب (34)
كأنها إبلٌ ينجو بها نفر